مبوَّأ الصِّدق

بقلم الأستاذ شادي دياب
لقد وُصفتْ أرض فلسطين واختُصَّت بأوصافٍ كثيرةٍ في القرآن الكريم، بخصائص لم تكن لأرضٍ مثلها، فقد وصفها الله تعالى بأنَّها أرضٌ مقدَّسةٌ، وأرضٌ مباركةٌ، وكذلك وُصفتْ بأنَّها مبوَّأ الصِّدق، وهذا هو موضوع بحثنا.
إنَّما استوقفني في كتاب الله تعالى تلك الأوصاف والخصائص القيِّمة العظيمة لهذه الأرض، فكما قالوا: كثرة الأسماء لشيءٍ إنَّما يدلُّ على عظمة المسمَّى ومكانته وأهميَّته وقَدْره.
لقد بحثت كثيراً في كتب المفسِّرين الأجلاء، وما سطَّرته أقلامهم وأقوالهم حول هذه الآية العظيمة، وحول هذا الوصف العظيم، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [يونس: 93].
إلَّا أنَّني وجدت بعض الاختلاف حول هذه الأرض، وإنْ كان الغالب منهم يكاد يُجمع على أنَّها ابتداءً هي أرض فلسطين، فقد جاء في كتب التفاسير خمسة أقوالٍ حول هذه الآية، قال الألوسي ‘ في تفسيره:
المبوَّأ الذي نزلوه على خمسة أقوال:
1_ الأردنُّ وفلسطين.
2_ الشَّام وبيت المقدس.
3_ مصر.
4_ بيت المقدس.
5_ ما بين المدينة والشَّام من أرض يثرب.
ولكنْ عند التَّحقيق والتَّمحيص حول معاني هذه الآية وتجلية المراد منها نجد أنَّ فلسطين هي تلك الأرض التي وُصفت بأنَّها مبوَّأ الصِّدق.
تعالوا معي لنستجلي معاني الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ﴾ [يونس: 93].
جاء في معاجم اللغة العربيَّة القديمة والحديثة عن معنى المبوَّأ:
يُقال: باء إليه أي: رجع، وباء: وافق، وبوَّأه منزلاً: أنزله وأحلَّه فيه وأسكنه فيه، وأبوء بذنبي: أعترف وأقرُّ وأرجع، والمبوَّأ: هو المنزل والمستقرُّ والمُهيَّأ والمُوطَّأ والمعدُّ، فالمعنى يدور حول معنى السَّكن والاستقرار.
والصِّدق: مطابقة الكلام للواقع بحسب اعتقاد المتكلِّم، والصِّدق: الشِّدة والصلابة، وهو: الأمر الصالح الذي لا شيةَ فيه من نقصٍ أو كذب.
وقد وُصف المكان بالصِّدق؛ لأنَّ من عادة العرب أنَّها إذا مدحت شيئاً أضافته إلى الصِّدق، والصِّدق بحدِّ ذاته محمودٌ في الأحوال كلِّها، والصِّدق يُعبَّر عنه الحُسن استعارةً، ويكون المبوَّأ حسناً لما فيه من البركات الدينيَّة العظيمة_ القداسة والبركة_ والخيرات الدنيويَّة من أنهارٍ وثمارٍ ومناخٍ وموقعٍ…، وذلك موجودٌ وافرٌ في أرض فلسطين، وكما قال العلماء: بأنَّ الشيء إذا كان كاملاً في وقته صالحاً للغرض المطلوب منه فكلُّ ما يُظنُّ فيه من الخير فإنَّه لا بدَّ وأنْ يصدق عليه ذلك الظنُّ، فلك أنْ تظنَّ في أرض فلسطين كلَّ ظنٍّ حسنٍ، وأنْ تنعتها بكلِّ نعوت الجلال والكمال، وهذا هو السِّر وراء اختيار كلمة الصِّدق لشموليَّته وكماله ودقَّته، فسبحان من اختار هذه الكلمة ونعتها لهذه الأرض المقدَّسة.
وتقول العرب: رجل صدقٍ، وقدم صدقٍ، ولسان صدقٍ…، وقد جاء في القرآن الكريم وصفٌ لستَّة أشياء مضافةٍ إلى الصِّدق: (قدم صدقٍ، ومبوَّأ صدقٍ، ومُدخل صدقٍ، ومُخرج صدقٍ، لسان صدقٍ، ومقعد صدقٍ).
قال تعالى في كتابه الحكيم:
﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ﴾ [يونس: 2].
﴿وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ﴾ [يونس: 93].
﴿وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا﴾ [الإسراء: 80].
﴿وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا﴾ [مريم: 50].
﴿فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۢ﴾ [القمر: 55].
المعنى الإجمالي للآية:
أي: ولقد أنزلنا بني إسرائيل بعد هلاك عدوِّهم فرعون منزلاً صالحاً مرضيَّاً، فيه الأمان، والاطمئنان لهم، وأعطيناهم فوق ذلك الكثير من ألوان المأكولات والمشروبات والطيِّبات التي أحللناها لهم .
قوله تعالى: ﴿فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ﴾ [يونس: 93]، وهذا توبيخٌ لهم على موقفهم الجحوديِّ من هذه النِّعم التي أنعم الله بها عليهم .
أي: أنَّهم ما تفرَّقوا في أمور دينهم ودنياهم على مذاهب شتَّى، إلَّا من بعد ما جاءهم العلم الحاسم لكلِّ شبهةٍ، وهو ما بين أيديهم من الوحي الذى أمرهم الله تعالى أنْ يتلوه حقَّ تلاوته، وأنْ لا يستخدموه في التأويلات الباطلة .
فالجملة الكريمة توبِّخهم على جعلهم العلم الذي كان من الواجب عليهم أنْ يستعملوه _ في الحقِّ والخير_ وسيلةً للاختلاف والابتعاد عن الطريق المستقيم .
لكنْ ما هو المبَّوأ الذي نزلوه؟ وهل حافظوا عليه، أم أنَّهم طُردوا منه، وشُتِّتوا في الأرض؟.
إنَّ مبوَّأ الصِّدق هو أرض فلسطين، وهي من خُصَّتْ بهذا الوصف؛ لندرك قُدسيَّة هذه الأرض وعظمها وقيمتها، ولنعتزَّ بأرضنا ونتمسَّك بها، ونقدِّم لها الأرواح والمهج رخيصةً.
والدليل على أنَّها هي أرض فلسطين، وليست غيرها من الأراضي:
فهي ليست أرض مصر؛ وذلك لما هو معلومٌ بالضرورة من التاريخ المتَّفق عليه بأنَّ بني إسرائيل لم يدخلوا أرض مصر بعد خروجهم منها، ولو قال قائلٌ: إنَّ أرض سيناء هي من أرض مصر أفلا ينطبق عليها وصف مبوَّأ الصِّدق، لاسيَّما وأنَّهم عاشوا فيها أربعين سنةً؟
المعلوم أنَّ أرض سيناء كانت أرض مجازاةٍ وعقوبةٍ عُوقبوا بالتِّيه فيها أربعين سنةً كما قصَّها القرآن الكريم وضُربت عليهم الذِّلة والمسكنة فيها؛ وذلك لكثرة عصيانهم ومخالفتهم لموسى وهارون ، فلم تكن أرض أمانٍ أو اطمئنانٍ أو استقرارٍ ونعيمٍ لهم، وإن تنعَّموا ببعض النِّعم فيها فترةً من الزمن كإنزال المنِّ والسلوى، لكنْ سرعان ما طلبوا من موسى عليه السلام أنْ يدعُ الله تعالى أنْ يُخرج لهم من الأرض من بقلها وفومها وعدسها وبصلها، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِ‍َٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّ‍ۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]، فأنَّى لمصر أو سيناء هذا الوصف مع عظمهما!.
وأمَّا من قال بأنَّها أرض الأردنِّ، فالأمر أيسر بكثيرٍ لاسيَّما ونحن نعلم أنَّها أرضٌ صحراء قاحلةٌ ليس فيها معلَمٌ لبشرٍ، بل لم يذكرها موسى عليه السلام أبداً، ولو أُمروا بدخول الأردنِّ لدخلوها وسكنوها، وأنت تعلم أنَّهم مكثوا أربعين سنةً في أرض سيناء أرض التِّيه.
وأمَّا أرض الشام كلِّها مع بركتها ومنزلتها عند الله تعالى، فلم تكن هي المقصودة، فهم أيضاً لم يُؤمروا بدخولها، ولم يأتِ أمرٌ من الله تعالى يأمرهم بدخول أرض الشام كلِّها.
وأبعد من ذلك قول من قال بأنَّها ما بين الحجاز والشام، إذ لو كانت تلك الأرض مقصدهم لذهبوا في الاتجاه الجنوبيِّ الشرقيِّ إلى أرض جزيرة العرب، وأنت تعلم أنَّ الله تعالى أمرهم بدخول الأرض المقدَّسة أيْ؛ تجاه الشَّمال إلى فلسطين حصراً، فلم يبقَ كما ترى إلَّا أرض فلسطين، فهي الأرض المقدَّسة والمباركة ومبوَّأ الصِّدق وهذه الأوصاف الثلاثة جاءت في كتاب الله تعالى لأرض فلسطين الذي اختاره الله تعالى أحسن اختيارٍ، ولا يفوتك أنَّ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ﴾ [يونس: 93]، أنَّ المباءة كانت لأبنائهم بعد فناء آبائهم بالتِّيه عقوبةً وحرماناً لأولئك العصاة، فالله تبارك وتعالى أحلَّ أبناء أصحاب موسى عليه السلام من بعده أرض فلسطين بعدما أطاعوا نبيَّهم في ذلك الزمان، فأحلَّهم الله تعالى مبوَّأ الصِّدق، فقد أنزلهم تبارك وتعالى ولم يملِّكهم البتَّة منزلاً يطمئنُّون فيه ويبوؤون مستريحين فيه فترةً من الزَّمن فقط، في مَقام صدقٍ فاضلٍ طيِّبٍ مرضيٍّ آمنٍ أمينٍ.
إنَّ بني إسرائيل قومٌ جُبلوا على الخَوَر والجبن والخيانة ونقض العهود، فهم لم يحافظوا على أوامر الله تعالى، ولم يحفظوا شرعه، بل سرعان ما عاد القوم لطبعهم من الإفساد والجحود، فعصوا الله تعالى، وحرَّفوا التَّوراة، وقتلوا كثيراً من أنبيائهم، ونقضوا عهد الله وميثاقه؛ فقطَّعهم الله في الأرض أمماً وشرَّدهم وشتَّتهم، وسلَّط عليهم من يَفلُّ جمعهم، ويستبيح بيضتهم، ويسومهم سوء العذاب ليس في زمانهم وحسب، بل في كلِّ زمانٍ إلى يوم القيامة، واستمع إلى قوله قال تعالى: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الأعراف: 167]، فطردهم عزَّ وجلَّ من الأرض المقدَّسة المباركة أرض الصِّدق التي لا تقبل على ظهرها إلَّا الصادقين الطائعين الموحِّدين، وإنِ احتلَّها الصهاينة في زماننا فترةً من الزَّمن، فهذا لا يعني ديمومة الأرض المقدَّسة بأيدي أصحاب الغدر والخيانة و الظلم والفسق والفجور؛ وذلك ليقيننا بموعود الحقِّ تبارك وتعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].
إنَّ الصِّدق مفتاحٌ من مفاتيح النَّصر وهذا سرٌّ من أسرار هذه الأرض المقدَّسة، فأرض فلسطين أرض صدقٍ لا تقبل إلَّا الصادقين على ظهرها، وسيعود مبوَّأ الصِّدق لأهل الصِّدق المخلصين الموحِّدين من أمَّة محمَّدٍ × بإذنه تعالى لا لليهود الذين باتوا أهل كذبٍ وتحريفٍ وعصيانٍ، واستحقُّوا غضب الله تعالى، وطرده من الأرض المقدَّسة، ومن يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة.

شاهد أيضاً

بنو إسرائيل بين الإفساد والعلوّ

بقلم الأستاذ شادي دياب سورة الإسراء سورةٌ محوريةٌ في قضية الصراع الإسلامي الإسرائيلي حول المسجد …

الأرض المقدسة والأرض المباركة

بقلم الأستاذ شادي دياب أبدأ مقالتي بقول العالم الجليل ابن البنّاء المقدسيّ: «قتل أرضاً عالِمُها، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *