ويبشِّر المؤمنين

بقلم الأستاذ ياسر الزفري
تحدَّى العرب وسائر الأمم ….
وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ….
وفصَّل وأجمل….
وبيَّن وأوضح….وغيرها من صفات هذا القرآن العظيم وأفعاله…
لكنَّ الله في سورة الإسراء وصف هذا القرآن بأمرين مهمَّين:
أوَّلهما أنَّه “يهدي” للتي هي أقوم وقد تحدَّثنا سابقاً عن تفصيلها…
والثاني أنَّه “يبشِّر” المؤمنين….
وهنا الله سبحانه وتعالى يطرح هذين الفعلين للقرآن الكريم دون باقي الصفات والأفعال لأهمَّيتهما في التحرير فالأولى “يهدي للتي هي أقوم”، وهي المنهج المستقيم الراسخ الموصل للتحرير بأقلِّ (الآلام) والدِّماء، وفي هذه الصفة يطرح الله عزَّ وجلَّ عقلانيَّة القرآن وواقعيَّته وعدم بعده عن الواقع ومراعاته للظروف الاجتماعيَّة والسياسيَّة وهذا من إعجازه سبحانه ربي وتعالى.
أمَّا الصفة الأخرى الملاصقة للكتاب كما طرحها ربُّنا في سورة الإسراء هي أنَّه “يبشِّر”.
وهنا سؤالٌ مهمٌّ، فالهداية أمرٌ مهمٌّ بالنسبة للكتاب ولقومٍ ضلُّوا الطريق وأرادوا المنهج الصحيح… ولكنْ لماذا تأتي صفة “البشرى” في سياق التحرير وما هي أهميَّتها؟.
إنَّ العاملين المخلصين في ميدان الصراع مع هذا العدوِّ الغاشم لا بدَّ لهم من محفِّزٍ ودافعٍ للعمل وأملٍ يتعلَّقون به وإشاراتٍ وعلاماتٍ على الطريق تؤكِّد صحَّة مسارهم وترفع من معنويَّاتهم وتزيد من حماستهم رغم إيمانهم بالهدف.
صحيحٌ أنَّ القرآن يعطي الطريق الأقوم ولكنَّ السالكين في هذا الطريق حتَّى ولو كان مستقيماً فهم بحاجةٍ لشحذ الهمم ورفع المعنويَّات والتَّرفُّع عن الصغائر والتعلَّق بالهدف الكبير فالإنسان بطبيعته النسيان ومحبٌّ للإحسان.
وفعلاً هذا ما حصل حتَّى مع نبيِّنا محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام ، وبالرغم من أنَّه نبيٌّ يُوحى له، وأنَّ الله قد هداه الصراط المستقيم لكنَّه فعلاً كان بحاجةٍ لرحلة الإسراء، وللبشرى من الله عزَّ وجلَّ ولرؤية الآيات الكبرى؛ تثبيتاً من الله عزَّ وجلَّ لعبده وتبشيراً له وتذكيراً لعبده بمقامه في الآخرة.
فزحمة الأعمال والصِّدام مع أهل مكَّة وغيرها من الأعباء التي زادت من الضغط النفسيِّ على سيِّد الخَلق فكان لا بدَّ من البشرى على
الطريق.
وهكذا العاملون في ميدان الجهاد في سبيل الله وما يعتريه من ضغطٍ وتعبٍ وإحباطٍ وغيرها ممَّا يمارسه العدوُّ ليلاً ونهاراً، فيأتي القرآن هنا شفاءً وعافيةً ليقول أنَّ البشرى لمحمَّدٍ عليه الصلاة والسلام ، ولكلِّ مجاهدٍ مشى على سنَّته في الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ.
فالبشرى هي أمرٌ لم يخصِّ الله عزَّ وجلَّ به نبيَّنا فقط، بل هي لكلِّ مجاهدٍ عاملٍ للتحرير، وها هي الآيات تؤكِّد هذا المعنى يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 9].
نعم فالبشرى من الله عزَّ وجلَّ لكلِّ شخصٍ يعمل لقضيَّته ولدينه، فالبشرى هي أمرٌ ملازمٌ للعمل، فلا بشرى لشخصٍ ترك قضيَّته ووطنه وترك الجهاد في سبيل الله ثمَّ يطلب من الله البشرى، أو لشخصٍ أخذ يُنظِّر في القضيَّة من وراء البحار ثمَّ يطلب من الله البشرى.
البشرى تأتي منحةً ومكافأةً بعد التكذيب والتهديد والإيذاء من أعداء الله.
فلهذا لا يمكننا أنْ نصدِّق بأيِّ منهجٍ يدَّعي بأنَّ (نصر الله قريبٌ والفتح قادمٌ)، وغيرها من الشعارات من دون عملٍ واقعيٍّ على الأرض وإلَّا صارت جماعةً حالمةً تُضلُّ نفسها والناس.
فالبشرى منحةٌ من الله عزَّ وجلَّ لعباده المؤمنين: ﴿ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا﴾ [الإسراء: 9]، وحُقَّ لهم هذه البشرى من الله، فكما حصل مع نبيِّنا ×، سيحصل معهم، كلَّما مشوا في طريق الله وعزموا فيه، رأوا الآيات الكبيرة من الله عزَّ وجلَّ.
سيرى السالكون في طريق الجهاد آياتٍ في الرزق رغم الحصار…
وآياتٍ في التدبير رغم التضييق….
وآياتٍ في البركة رغم قلَّة الإمكانات…
وآياتٍ في ساحات القتال رغم قلَّة العتاد….
وآياتٍ في إهلاك الأعداء رغم ضخامة العدوِّ….
سيرى المجاهدون تدبير الله حقيقةً…..
سيرونه في كلِّ تفصيلٍ من تفاصيل العمل، سيرونه في السياسة، سيرونه في القتال، سيرونه في الإعداد، وسيرونه في الدعوة، وسيرونه في الأولاد والذُّريَّة، سيرونه في النصر وفي الشهادة.
نعم إنَّه “الأجر الكبير” في الدنيا والآخرة…
لقد وَصف الله أجره بأنَّه “كبيرٌ”….
نعم، إنَّ أجره “كبيرٌ”؛ لتتعلَّق النفوس بالكبير وتترك الصَّغائر والنقائص وتفاهات الدنيا وصراعاتها.
إنَّ أجره “كبير”؛ لتترك النفوس السعي وراء المناصب وتتعلَّق بالعمل.
إنَّ أجره “كبيرٌ”؛ لتترك النفوس مغريات الحياة وزينتها وتتعلَّق بالله وحده.
إنَّه الصِّراع النفسيُّ الذي يدور في نفس المجاهد ما بين كِبَر الآخرة وصَغَار الدنيا.
فما دام المجاهد يرى أنَّ الدنيا أكبر من الآخرة فلا بُشرى له ولا هداية بل العذاب الأليم بانتظاره، فالقرآن يُعدُّنا؛ لنكون نفوساً تحبُّ الموت كحبهم للحياة، فأجر المجاهدين كبيرٌ، وعذاب المتقاعسين أليمٌ، وبالمقابل فالقرآن يُنذر المتقاعسين عن العمل الجهاديِّ بأنَّ لهم “عذاباً أليما ” في الدنيا قبل الآخرة، فالتقاعس عن العمل سببه الأساس عدم الإيمان بالآخرة.
وهنا يفصلُّ الله عزَّ وجلَّ لنا سبب التقاعس الأساسيِّ وهو فقدان الدافع والمحرِّك للمشروع وهو عدم الإيمان بالآخرة، والآخرة هنا قد تأتي بمعنى وعد الآخرة وهو التحرير وقد تأتي بمعنى اليوم الآخر… إلخ من المعاني، ولكنْ عموماً فقدان الدافع هو سبب التقاعس، فمن تقاعس عن قضيَّته التي أوكلها الله له فليتجهَّز للعذاب الأليم، فالعذاب الأليم هو جزاء من ترك قضيَّته عمداً واختار الدنيا على الآخرة، والعذاب الأليم هو جزاء من تاجر في هذه القضيَّة، والعذاب الأليم هو جزاء من خان هذه القضيَّة.
إنَّ الله عزَّ وجلَّ يصنع في سورة الإسراء جنوداً له، نفوسهم عظيمةٌ وهممهم عاليةٌ وغاياتهم كبيرةٌ تعلَّقوا بالآخرة وعملوا الصالحات فحُقَّت لهم البشرى من الله تعالى.
لذلك فليتجهَّز أعداء الله عزَّ وجلَّ في فلسطين لنوعٍ جديدٍ من المقاتلين لم يعهدهم من قبل، إنَّهم جنود الإسراء عباد الله الصالحين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *