من مخيَّم اليرموك … لماذا قائداً وطنيَّاً عروبيَّاً وإسلاميَّاً بامتياز؟

بقلم الأستاذ رامي الحاج سعيد
كثيرةٌ هي الأسئلة التي كانت تقف خلف ذاكرة المخيَّم ما بعد أوسلو وعلى امتداد جغرافيا الشَّتات.
المسافة المفترضة بين حُلمَي العودة والتحرير، أرهقت من تخلَّف عن ركب الاتفاقيَّة، وتركتهم في حالة بحثٍ مستمرٍّ عن أجوبتهم وعن بندقيَّتهم، وعن فلسطينيَّتهم التي أضاعوها في مخيَّمات اللجوء.
اضطراب المشهد السياسي آنذاك، انتكاسات أوسلو، وغيرها من التفاصيل التي كانت تبحث عن إجاباتٍ، شكَّلت حاجز وهمٍ بين أبناء المخيَّمات وبين أيِّ خطٍّ سياسيٍّ، وتركتهم في حالةٍ من الاضطراب المستمرِّ بين فطرة المقاومة والتحرير، وبين ضبابيَّة المواقف، وانعدام الاستراتيجيَّات، والأخطر حقيقة محاولات ترويض هذه المخيَّمات وإقناعها بأنَّ حُلم العودة والتحرير بات معلَّقاً على جناح حمامة السلام وغصن الزيتون وغيرها من المصطلحات التي أرهقت جيلاً واستباحت توثُّبه للحريَّة والعودة إلى فلسطين.
الحديث عن إسلاميَّة التحرُّك والحراك وعن دور الإسلاميين في الدفاع عن فلسطين، شكَّل هاجساً آخر لدى بعض الباحثين عن مرجعيَّةٍ سياسيَّةٍ بخلفيَّةٍ إسلاميَّةٍ، وكان مدار بحثٍ مستمرٍّ وخصوصاً مع بدء ظهور القوى الإسلاميَّة في المخيَّمات الفلسطينيَّة.
لكنْ في التجربة السوريَّة، شكَّل الخوف من الخلفيَّات الإيدلوجيَّة لبعض مشاريع الإسلام السياسي، سبباً حقيقيَّا في انكماش دور الحركات الفلسطينيَّة الإسلاميَّة المقاومة ضمن المخيَّمات الفلسطينيَّة في ثمانينيَّات القرن الماضي، وكان المبرِّر الوحيد لجهة غياب المعرفة التفصيليَّة بالبنية الفكريَّة لهذه الحركات، على الرُّغم من سطوع نجم الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، والشهيد الشيخ أحمد ياسين وغيرهم من القيادات الإسلاميَّة، وعلى الرُّغم مما دُوُّن ونُوقش من أفكارهم ومن أفكار الطليعة التي كانت معهم.
الانتفاضة الفلسطينيَّة الأولى عام 1987 مهَّدت شعبيَّاً لموجوديَّة الحركات الإسلاميَّة المقاومة وخصوصاً على مستوى المخيَّمات الفلسطينيَّة في سورية، وفتحت الباب واسعاً لجدليَّة الاختلاف، والتماهي بين فصائل المقاومة الإسلاميَّة في فلسطين، وأفرزت حالةً من التباين بين خطَّين سياسيين يتبُّنون منهجيَّة الإسلام في النظريَّة والمعتقد، ولكنَّهم يختلفون بطبيعة الحال على مستوى المنظومة الفكريَّة والتنظيميَّة.
أمام كلِّ هذا التنوع السياسي على مستوى التعدديَّة الفصائليَّة واختلاف المشارب الفكريَّة لهذه الفصائل، وأمام كلِّ هذه التناقضات التي فرَّخها اتفاق أوسلو، وأمام حالة العصف الفكري للقوى الإسلاميَّة الناشئة وإثبات قدرتها كمرجعيَّةٍ مقاومةٍ، استطاعت إثبات امكانيَّاتها خلال الانتفاضة الفلسطينيَّة الأولى، كان هناك سؤالٌ آخر فرضه واقع استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي‘ الأمين العام المؤسِّس لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين عام 1995، وجنازته التي استطاعت أنْ تستنهض مخيَّم اليرموك بحشودٍ مليونيَّةٍ، ومن ثمَّ استلام الدكتور رمضان عبد الله شلَّح‘ للأمانة العامَّة للحركة، فمن هذا الذي أجمع الكلُّ الفلسطينيُّ على استثنائيَّته فخرجوا عن بكرة أبيهم ليودِّعوه، ومن هذا الذي يستحقُّ أنْ يكون حاضناً وقائداً لمشروع الهويَّة الإسلاميَّة المقاومة.
كيف يصبح الرجل أمَّةً؟
سؤالٌ آخر…استطاع الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي ‘ أنْ يحمل مفاتيح إجابته، واقع استشهاده وحيداً في مالطة رغم ما عُرف من استثنائيَّته كمفكِّرٍ إسلاميٍّ، ومؤسِّسٍ لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وقائدٍ للعديد من العمليَّات العسكريَّة البطوليَّة، أعاد لأبناء الأمَّة مشهديَّة من رحل من قادة الثورة الفلسطينيَّة قبل أوسلو، وأجاب لهم عمَّا تراكم من الأسئلة الوجوديَّة، في إمكانيَّة العودة والتحرير، وأفرغ مسار التسوية من محتواه الاستسلامي، واستعاد البندقيَّة كحلٍّ وحيدٍ لهذه المعركة.
وأعتقد بأنَّ استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي ‘ شكَّل البداية الحقيقيَّة لانتشار المنظومة الفكريَّة لحركة الجهاد الإسلامي على مستوى المخيَّمات الفلسطينيَّة في سورية وتحديداً في مخيَّم اليرموك، وقدَّم الدكتور فتحي الشقاقي‘، والدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ كمفكِّرين لديهم الإجابات عن أسئلة الكثيرين من الإسلاميين الباحثين عن بندقيَّتهم.
الدكتور رمضان عبد الله شلَّح قائداً:
ربَّما لا أستطيع الإجابة عن أيِّ الملامح الأكثر تقدُّماً وتأثيراً في كاريزما الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘، فهل شخصيَّة المفكِّر الإسلامي التي حملها هي أوَّل ما لفت انتباه الأمَّة له؟ أم أنَّ شخصيَّة السياسي الباحث عن توطين أفكاره في وعي من غرَّب عن فلسطين كانت السبب فيما وصل إليه من منزلةٍ متقدِّمةٍ على مستوى قيادات الصفِّ الفلسطينيِّ ومحور المقاومة، أم أنَّها القدرة على إعادة ترتيب البيت الداخلي لحركة الجهاد الإسلاميِّ في فلسطين وانتخابه لبطانةٍ سياسيَّةٍ وعسكريَّةٍ أثبت قدرتها على إدارة المعركة الفكريَّة والعسكريَّة مع قوى الاحتلال.
وإنْ كنت أميل كلَّ الميل لجهة نخبويَّته الفكريَّة، وقدرته على مستوى تخطِّي حاجز الفصائليَّة والقطريَّة وحتَّى الإقليميَّة، من خلال تأكيده المستمرِّ على مركزيَّة القضيَّة الفلسطينيَّة، وعلى تعدِّي مفهوم القدس للجغرافيا والتاريخ والسياسة، وربطها ببعدها القرآني وبالتالي ربطها بمشروع الأمَّة لا بمشروع الفلسطينيين فقط.
وبهذا فإنَّ أمميَّة القائد التي تجلَّت في شخصيَّة الدكتور فتحي الشقاقي ‘، ومن ثمَّ الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘، إنَّما تأتتْ لجهة استيعابهم مركزيَّة النص القرآني في إنتاج مشروعهم التحرري، ووفقاً لأركان وقوانين وعد الآخرة التي تجلَّت في سورة الإسراء، والمتمثِّلة بثلاثيَّةٍ مضارعةٍ: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا﴾ [الإسراء: 7].
خطاب القوَّة والغلبة:
يبدو من الصعوبة بمكانٍ وضع تعريفٍ واحدٍ للسياسة، وعلَّني لا أتجرَّأ على الخوض بما لا أختصُّ، ولكنْ ضمن محاولاتي المستمرَّة لتتبع الخطاب السياسي والإعلامي عند بعض القوى السياسيَّة الفلسطينيَّة، وتداولها المستمرِّ لمصطلح (الواقعيَّة السياسيَّة)، واستخدامه في تبرير عدم الندِّية في التعامل مع قوى الاحتلال، والركون الطوعي لسنواتٍ من المفاوضات العبثيَّة بناءً على ما تمَّ توصيفه حينها من انعدامٍ لموازين القوى، ومن ثمَّ استخدام نفس المصطلح في توصيف أيِّ خطابٍ ثوريٍّ مقاومٍ كونه يفتقر للقراءة الواقعيَّة لما هو على الأرض، ومن ثمَّ إعادة إنتاجه كعذرٍ يبرِّر حالة الانكشاف والعُريِّ التي نزلت بالسلطة الفلسطينيَّة في ظلِّ تخلِّي قوى الاحتلال عن مفردات أوسلو وانصرافها لبناء دولتها اليهوديَّة، ليعود مفهوم الواقعيَّة السياسيَّة إلى الواجهة من جديدٍ كشمَّاعةٍ لرفض المطالبات الشعبيَّة والفصائليَّة بإلغاء نهج المفاوضات والعودة للكفاح المسلَّح، على اعتبار أنَّ هناك التزاماتٍ سياسيَّةً وأمنيَّةً دوليَّةً لا يمكن تجاوزها.
أمام كلِّ هذا الخطاب الإعلاميِّ المتناقض، ومفرزاته الثقيلة على واقعنا الفلسطيني وانكشافه في أكثر من مكانٍ وزمانٍ لجهة تخلِّيه عن الثوابت الفلسطينيَّة، استطاع الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ بناء خطابه السياسي والإعلامي معتمداً على مفردات القوَّة والغلبة والقتال، دون أنْ يلتفت لما يُشاع عن محدوديَّة أثر الحجارة، أو سكِّين الطَّعن أو حتَّى عن صاروخٍ بإمكانيَّاتٍ محليَّةٍ، بل عبر تأكيده الدائم والمستمرِّ بأنَّه لا يستطيع النظر إلى دولة الاحتلال إلَّا بمنظور الصراع، وعبر ثقته بما يجب أنْ يكون من تجلِّيات: ﴿وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ﴾ [الإسراء: 7].
وأيضاً عبر إصراره على أنَّ استعادة القدس هي المفتاح الوحيد، لتجاوز آلام الأمَّة، (وبأنَّ ربط المسجد الحرام برحلة الإسراء والمعراج بالقدس إنَّما هو دليلٌ على أنَّ فلسطين هي جزءٌ من جغرافيا الرسالة المحمَّديَّة) (1).
وبهذا قدَّم الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ تعريفاً آخر للواقعيَّة السياسيَّة التي تعتمد في بناء مكوِّناتها واستراتيجيَّاتها على صدق العقيدة، والفهم الحقيقي للنص القرآني، بعيداً عن قراءات المتغيِّر في السياسات الدوليَّة، والمؤقَّت من عناصر القوَّة والمنعة عند كيان الاحتلال، وعناصر الضعف والتردِّي عند أبناء الأمَّة.
وبالتالي فإنَّ الثابت في خطابه الإعلامي العابر للزمان، قد تجاوز المتبدِّل والمتلوِّن من خطاب التسوية المتَّسق مع الظروف الدوليَّة، وذلك من خلال قراءاته العميقة للمشهد السياسي، وعبر تجاوزه لمفهوم السلطة تحت الاحتلال، وعبر انصرافه لبناء قواه العسكريَّة والعقائديَّة على أنَّها البداية الحقيقيَّة لبناء أيِّ مشروعٍ وطنيٍّ فلسطينيٍّ.
المشروع الوطنيُّ الفلسطينيُّ بين دور الأمَّة ودور فلسطينيِّ الشتات والـ 48:
يصف بعض من تجاهل قدرة الخطاب السياسي والإعلامي عند الدكتور رمضان عبد الله شلَّح (بالطوباويَّة)، وخصوصاً فيما يتعلَّق بإصراره المستمرِّ على استعادة ما أُسقط من دور الأمَّة، وما تعلَّق بموقع فلسطينيِّ الشتات وفلسطينيِّ 48 ودورهم ضمن مشروع التحرُّر الوطنيِّ الفلسطينيِّ.
فحديثه المستمرُّ عن الدور الضائع لهذه القوى وإنْ بدا طوباويَّاً في ظلِّ حالة التخلِّي العربي، والتشرذم الفلسطيني على مستوى أبناء المخيَّمات الفلسطينيَّة في الشتات، وفي ظلِّ ما يعانيه أهلنا في مناطق 48 من العنصريَّة الصهيونيَّة البغيضة، إلَّا أنَّه الأقدر على إعادة توجيه البوصلة نحو استكمال عناصر التحرُّر الوطنيَّة.
ولعلَّ مقاربته التي اُعتبر فيها أنَّ (أخطر ما تعانيه الحالة الفلسطينيَّة هو غياب المجتمع الفلسطيني الموحَّد على أرضٍ واحدةٍ) (2)، كانت الأكثر جرأةً، لجهة تصدِّيها لنتائج البرنامج المرحلي وإسقاطه لفلسطينيِّ الشتات وفلسطينيِّ 48 من حساباته، وأيضاً لجهة استعادة دور الجغرافيا الفلسطينيَّة كاملةً في عمليَّة التحرير، بعد أنْ حصر اتفاق أوسلو الصراع والحلَّ مع كيان الاحتلال بأراضي 67، وبالتالي إعفائه (إسرائيل) من آثار النكبة وإسقاط حقِّ العودة.
وبهذا استكمل الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ أركان مشروعه التحريري من خلال إثباته دور الفلسطيني أينما وُجد وأيضاً دور الأمَّة، على اعتبار أنَّ (الشعب الفلسطيني هو طليعة الأمَّة في النهوض بواجب الجهاد لتحرير فلسطين، وعلى الأمَّة تعبئة وحشد كامل طاقاتها واستنهاض جميع قواها لمواجه المشروع الصهيوني) (3).
وحدويَّة الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘:
في الوثيقة السياسيَّة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين والتي صدرت عام 2018 أكَّدت الحركة أنَّ: (أيَّة مشاريع أو برامج سياسيَّةٍ تقوم على تجزئة الشعب الفلسطيني أو استبعاد أيِّ جزءٍ منه أو المساس بمقوِّمات شخصيَّته وهويَّته الوطنيَّة، تعد فاقدةً للشرعيَّة، ولا تمثِّل الشعب الفلسطيني ولا تعبِّر عن إرادته) (4).
وفي حديثه لمجلَّة الدراسات الفلسطينيَّة خريف عام 2014 (5) اعتبر الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ أنَّ التخلُّص من الانقسام، والتخلُّص من الاحتلال هدفان متلازمان؛ لأنَّ الوحدة والحريَّة وجهان لعملةٍ واحدةٍ.
وبهذا فإنَّ المتتبع لوثائق حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ولماهيَّة الخطابات السياسيَّة عند الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ سيجد الكثير من المؤشِّرات الوحدويَّة في البنية الصلبة لمعتقداتهم وخصوصاً في مرحلة التحرُّر أو الكفاح الوطني على اعتبار أنَّها (ليست ترفاً أو خياراً بل هي واجبٌ وضرورةٌ مصيريَّةٌ وشرطٌ وجوديٌّ للكلِّ الفلسطينيِّ)(6).
في الحقيقة شكَّل الدكتور رمضان عبد الله شلَّح ‘ امتداداً فكريَّاً للدكتور فتحي الشقاقي‘، وأثبت عبر ما تراكم من منجزه الفكريِّ، والسياسيِّ والعسكريِّ والتنظيميِّ بأنَّه مسكونٌ بفلسطينيَّته وبمرجعيَّته الإسلاميَّة وامتداده العروبي، وبأنَّ غيابه عن المشهد السياسيِّ منذ شباط 2018 قد أثبت سلامة الغرس، وصوابيَّة الهدف، سوى أنَّ المتتبع لطبيعة المنجز الذي حُقِّق على يد أبناء الحركة لن يتجرَّأ هذه المرَّة على طرح ما بدأناه من الأسئلة؛ لأنَّ حركة الجهاد الإسلاميِّ في فلسطين وأمينها العام زيَّاد النَّخَّالة حفظه الله باتوا رقماً صعباً في معادلة المقاومة، وفي تفاصيل أيِّ بيتٍ من بيوت فلسطين الحبيبة.
(1) جزءٌ من حديث الدكتور مضان عبد الله شلَّح رحمه الله مع قناةٍ فضائيَّةٍ.
(2) مجلة الدراسات الفلسطينيَّة العدد 100 خريف 2014.
(3) النظام الأساسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين المادة9 .
(4) الوثيقة السياسيَّة لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين 2018
(5) مجلَّة الدراسات الفلسطينيَّة العدد 100 خريف 2014.
(6) مجلَّة الدراسات الفلسطينيَّة العدد 100 خريف 2014.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *