لماذا نريد؟ … فهم المرجعيَّة والدوافع


بقلم الأستاذ أبو ثائر

أجبنا في المقالات السابقة عن سؤال الهويَّة، من نحن؟ بأنَّنا أحرارٌ مجتهدون مجاهدون ذوَّاقون خلفاء، كما أجبنا عن سؤال المشروع، ماذا نريد؟ بأنَّه التحرير والتعمير بقيم الاستخلاف، وسنحاول اليوم الإجابة عن سؤال المرجعيَّة والدوافع، لماذا نحن أحرارٌ مجتهدون مجاهدون ذوَّاقون خلفاء؟ ولماذا نريد التحرير والتعمير بقيم الاستخلاف؟.
لنبدأ بتعريف المرجعيَّة (الدوافع): بأنَّها القوَّة والطاقة التي تُطلق (أو تكبت) مَلَكَات الإنسان، وبالتالي تدفعه لاتخاذ قراراتٍ أفضل أو أسوأ.
مَلَكَات الإنسان:
خلق الله عزَّ وجلَّ الإنسان ونفخ فيه من روحه وكرمه عن باقي المخلوقات، وأمر الملائكة بالسجود له، وعلَّمه الأسماء والبيان، أي جعل الله للإنسان مجموعةً من المَلَكَات تميُّزه عن باقي المخلوقات، وتهيُّؤه لقبول حمل مسؤوليَّة الرسالة والأمانة التي عرضها الله عزَّ وجلَّ على الجبال والسماوات والأرض فرفضت أن تحملها، وتزخر كتب التراث في حصر هذه الملكات وشرحها وتفنيدها، وأجمع العلماء -في معظمهم_ على خمسةٍ من الملكات:

ملكة الإرادة: وهب الله عزَّ وجلَّ الإنسان الإرادة الحرَّة، فالإنسان يتَّخذ قراراته بين مجموعة خيارات ويتحمَّل مسؤوليَّة وعاقبة اتخاذ هذه القرارات، وأسمى ما في الإرادة الحرَّة أنَّها تمكِّن الإنسان من التسامي عن حاجات جسده الماديَّة إذا ما تعارضت مع معتقداته، وما الصيام إلَّا تعزيزٌ لهذه الإرادة الحرَّة في الانسان.

ملكة التعلُّم: وهب الله عزَّ وجلَّ المبادئ المنطقية الأولية لفهم الكون والأنفس والمجتمع، ومن هذه المبادئ أنَّ الإنسان يبحث عن السبب في أيِّ ظاهرةٍ يتعرَّض لها (السببيَّة)، ويبحث عن الهدف من حدوثها (الغائية)، والإنسان يستطيع وعي سلوكه وطريقة تفكيره ومشاكله (الوعي الذاتي)، والإنسان يستطيع التخطيط للمستقبل (الخيال المبدع)، وغيرها.

ملكة العمل: وهب الله عزَّ وجلَّ الإنسان المبادئ التطبيقية الأولية لتعمير الأرض والكون، ومن هذه المبادئ انتصاب القامة والمشي على القدمين وطريقة حركة اليدين التي تعطي الإنسان مهاراتٍ عمليَّةً غير موجودةٍ عند الحيوان، وبنية الدماغ المختلفة عن الحيوان، والقدرة على النطق وغيرها.

ملكة التذوق: والمقصود من التذوق تذوُّق الحياة وليس حاسَّة التذوُّق، أي الإنسان لا يأكل فقط لسدِّ جوعه، ولا يتزوَّج فقط لسدِّ غريزته، ولا يعمِّر المسكن فقط للحماية، ولا يتكلم فقط للتواصل مع البشر، ولا يلبس الثياب فقط ليستر عورته، بل يتفنَّن في الطهي والرومانسية والتأنُّق والتطيُّب والعمارة والتمثيل والرقص والغناء والرواية والشعر والبلاغة وغيرها.

ملكة الضمير: وهب الله عزَّ وجلَّ الإنسان القدرة على التمييز بين القيم الموجبة (الخير والجمال والحرية والسماحة والصدق وغيرها) والقيم السالبة، ذلك الصوت أو الوخز الذي يصدر من وجداننا عند ارتكاب الأعمال السالبة هو ما يُذكِّرنا أنَّنا مهيئين لنكون أصحاب رسالةٍ أخلاقيَّةٍ.
لا تعمل هذه الملكات منفردةً عند اتخاذ الإنسان قراراته، ولكنَّها تعمل في منظومةٍ تتفاعل مع بعضها البعض بطريقةٍ مدهشةٍ (تبارك الخالق) بحيث يصبح من الصعب التمييز بينها في أيٍّ منها هو المسؤول عن اتخاذ القرار، ولذلك سنطلق على مجموع الملكات الخمس اسم (جهاز الملكات)، وأعتقد أنَّه من الضروري والملحِّ إنشاء علم النفس الإسلامي؛ لفكِّ شيفرة طريقة تفاعل هذه الملكات مع بعضها البعض، لما لها من أهميَّةٍ في تشكيل قراراتنا وواقعنا سلباً أو إيجاباً.
ولأنَّ هذه الملكات إنسانيَّةٌ، فهي بطبيعتها نسبيةٌ (وهذا مردُّ الكثير من الصفات السلبية للإنسان في القرآن الكريم كالجزع والهلع والحرص والجهل والظلم والكبد والكدح و…)، وهذه الملكات بطبيعتها أيضاً تسعى للكمال المطلق، من منَّا لا يريد الإرادة المطلقة ولا يريد العلم المطلق وحتَّى العلم بالغيب، ومن منَّا لا يريد العمل المطلق الخالي من العجز والضعف، ومن منَّا لا يريد الحياة الخالدة ومن منَّا لا يحبُّ التفوُّق الحضاري القيمي.
وكأيِّ جهازٍ إنسانيٍّ نسبي كالجهاز الهضمي وجهاز التنفس، فإنَّ جهاز الملكات قد يتعرَّض للأمراض فينتكس ويرتدُّ عن وظيفتهن وبالتالي يتَّخذ قراراتٍ خاطئةً وأحياناً كارثيَّةً، ومن هذه الأمراض:
1_ الشيطان، فالشيطان أوَّل مرض يتعرَّض له جهاز الملكات، ولأنَّ الشيطان خبيثٌ وانتهازيٌّ فإنَّه يستغلُّ حبَّ الإنسان للكمال المطلق فيغويه، وهذا ما فعله الشيطان مع سيِّدنا آدم عليه السلام عندما أغواه بالحياة الخالدة والمُلك للاقتراب من تلك الشجرة:
قال تعالى: ﴿وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ١٩ فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ﴾ [الأعراف: 19-20].
2_ التراث المهيمن، أي الأفكار الميِّتة والمُميتة التي تبنَّاها المنظِّرون الدينيُّون والفلسفيُّون في تفسيرهم وفهمهم للنصوص المقدَّسة والتاريخ والطبيعة، واعتبروها صالحةً لكلِّ زمانٍ ومكانٍ.
3_ الواقع المهيمن، بشقَّيه الواقع السياسي (النظام السياسي الحاكم والنظام التربوي الحاكم والنظام الاقتصادي الحاكم و…) والواقع الجغرافي (طبيعة الأرض ووفرة الثروات) فمثلاً، لم يستطع سكان الأسكيمو من التطوُّر الحضاري؛ بسبب الطبيعة الثلجيَّة لأرضهم وقلَّة مواردهم.
المرجعيَّة (القوَّة الدافعة):
عندما تستشري هذه الأمراض يعمُّ الأرض القرارات الكارثيَّة (الفجور والظلم)، وبالتالي تستشري الأمراض أكثر وبالنتيجة تصبح القرارات أكثر كارثيَّةً ونبقى ندور في هذه الحلقة المفرغة، لذلك يقوم الله عزَّ وجلَّ بإرسال الأنبياء والرسل والمجدِّدين لهداية الناس وتصويب قراراتهم، وجوهر هذه الرسالات هو الإسلام وجوهر الإسلام التوحيد وجوهر التوحيد (لا إله إلا الله)، وتتعدَّد مواقف الناس من الرسالة ويمكن حصرها في خمسة مواقف:

موقفٌ يؤمن بالرسالة بشكلٍ كاملٍ وهؤلاء الذين يقول الله عنهم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة: 5]، ويتفعَّل جهاز الملكات الخاصِّ بهم وبالنتيجة تصبح قراراتهم صائبةً، وتشرح المعادلات التالية طريقة تفاعل جهاز الملكات مع التوحيد كما تجيب عن سؤال لماذا نحن؟:
إرادةٌ + توحيد —– أحرار/حرائر، (يتسامون عن حاجاتهم الماديَّة في سبيل معتقداتهم لحدِّ بذل الروح).
تعلُّمٌ + توحيد —– مجتهدون/مجتهدات، (يؤمنون أنَّ للكون والأنفس والمجتمع نظامٌ تحكمه السنن الإلهيَّة فيجتهدون في كشف السنن لتسخير الأرض وتوحيد المجتمعات).
عملٌ + توحيد —– مجاهدون/مجاهدات، (يعملون وفق النظام الإلهي، فيصبح التوحيد متجذِّراً في تفاصيل عمل السياسي والمعلم والاقتصادي والعسكري والفنان والمربي، وهذا عملٌ ليس بالسهل يحتاج لتدريبٍ وجهدٍ وصبرٍ).
تذوُّقٌ + توحيد —– ذوُّاقون/ذوُّاقات، (يرتقون في فنونهم وآدابهم وحتَّى رياضاتهم).
ضمير+ توحيد —– خلفاء، (تسود قيم الاستخلاف في وجدانهم: الأُخوُّة؛ لأنَّ الخالق واحدٌ والأب واحدٌ، المساواة والعدالة واحترام الانسان بغضِّ النظر عن عقيدته أو لونه أو عرقه أو بلده).
للأسف أصبح أوَّل ما يتبادر لذهن المسلم عند ذكر مفردة التوحيد تلك الدروس الصعبة عن الألوهيَّة والربوبيَّة والصفات والأسماء والتأويلات الغير ضرورية لعالم الغيب، والذي نهانا الله بوضوحٍ عن تأويله، واعتبره زيغ قلبٍ وابتغاء فتنةٍ.
وقول الله حقٌّ حدثت الفتنة بل الفتن عندما تعدَّدت المدارس العقدية والفقهية وتطرَّفت وتقاتلت، وتركنا ما أمرنا الله به وهو كشف سنن الله في الكون والنفس والمجتمع والعمل بها، ليسودنا الفساد والتخلُّف والضعف ونصبح أضحوكة الأمم.
ما أحوجنا أنْ ننقل تصوُّر التوحيد من عالم الغيب إلى الأرض ليصبح واقعاً معاشاً يتفاعل مع جهازنا الإدراكي، ويصوُّب قراراتنا، ويحلُّ مشاكلنا، ولنا في صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم عليهم خير نموذجٍ.

موقفٌ مناصرٌ ومؤيِّدٌ للرسالة (بالقلب وليس بالعمل).

موقفٌ حياديٌّ.

موقفٌ مناصرٌ ومؤيِّدٌ لأعداء الرسالة (بالقلب وليس بالعمل).

موقفٌ ينكر الرسالة ويتعصَّب لتراثه ويردُّ برسالةٍ مضادَّةٍ، ومثالهم مُنظري ومفكري وزعماء الصهيونية والإنجيلية والإمبريالية (العدو)، وهؤلاء يصدق فيهم قول الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، وهذه الرسالة المضادَّة تفعِّل جهاز ملكاتهم بالاتجاه المضادِّ:
إرادةٌ + صهيونية —- مستكبرون
تعلُّمٌ + صهيونية —- دجَّالون
عملٌ + صهيونية —- مجرمون
تذوُّقٌ + صهيونية —- شهوانيُّون
ضميرٌ + صهيونية —- عنصريُّون
وتنصبُّ جهود المفلحين على جعل مسار التحوُّل على شكل سهمٍ تتنقل فيه هذه المواقف من النهاية نحو البداية، أي تحويل ما أمكن من الناس من الموقف الخامس وهو العدو المباشر، إلى الصف الرابع ليكون مناصراً للعدو فقط، وتحويل ما أمكن من الناس من الموقف الرابع إلى الثالث ليكون محايداً في هذا الصِرَاع الدائر، وتحويل هذا إلى الموقف الثاني ليكون مناصراً للرسالة، وتحويل هؤلاء ما أمكن ليكونوا مؤمنين بالرسالة ومشاركين فيها.
مشاركٌ مع العدوِّ ← مناصرٌ للعدوِّ ← محايدٌ في الصراع ← مناصرٌ للرسالة ← مشاركٌ في الرسالة.
وبالتأكيد، العدوُّ سيعمل على عكس المسار من الموقف الأوَّل للخامس، ويتلخَّص برنامج العدوِّ لعكس المسار فيما يلي:

السيطرة على إرادة الناس (الاستبداد) أو تشويه إرادتهم (الالتهاء بمشاكلهم) أو تطويع إرادتهم لصالحهم (لعبة الديمقراطية)، طبعاً للناس كلُّ الحقِّ في انتخاب ومراقبة وعزل حكامهم، أمَّا أنْ تصبح لعبةً، فذلك يستدعي التوقُّف طويلاً عندها.

تجهيل الناس (التخلُّف) أو تشويه علمهم (الداروينية والنفعية)، أو جعل علم الناس تابعاً لهم (تأمَّل فقط ما قيل بموضوع جائحة كورونا).

احتلال أراضي الناس وقتل شعوبها ونهب ثرواتها، أو الهيمنة على الأرض والثروات واستغلال عمل الإنسان (لعبة المصالح).

تخريب ذوق الناس (إطلاق الشهوات والغرائز على شاشات التلفاز والموبايل قد تُعمي الأبصار وتصمُّ الآذان).

الاستعلاء الحضاري والعنصريَّة وإطلاق النعرات الطائفية والعرقية بين الناس للاحتماء بهم (فرِّق تسد).
لماذا نريد التحرير والتعمير بقيم الاستخلاف؟
أمام هذا المشهد الرهيب ماذا عسى لعباد الرحمن المفلحين أنْ يفعلوا سوى التحرير والتعمير بقيم الاستخلاف:
تحرير الانسان بإطلاق إرادته من قيودها، وتعميره بالاجتهاد العلمي والذوق الجميل. تحرير الأرض من الاحتلال واستقلاها عن الهيمنة وتعميرها وتنمية ثرواتها بالجهاد العملي.
_ استخلاف الأرض بنشر قيم الله الأُخوُّة والمساواة والعدالة الاجتماعيَّة.
وما أجر عباد الرحمن المفلحين إلَّا على الله: ﴿يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡ‍َٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [هود: 51].

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *