حقيقة النصر في القرآن الكريم

بقلم الأستاذ شادي دياب

إنَّ مفهوم النصر وكنهه وحقيقته في القرآن الكريم له خاصيته ومفهومه الدقيق؛ فقد ذكره الحقُّ تبارك وتعالى في مواضع من كتابه، وفي كلِّ مرة ينسب الله تعالى النصر لنفسه عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: 126]، وإنك لتعجب من نصر الله تعالى في الكثير من معارك المسلمين التي خاضوها، والتي يعجز العقل عن تفسير سرِّ الانتصار فيها على أعدائهم رغم قلَّة عددهم وعتادهم.

 إنَّ حال الأمة اليوم مؤسفٌ للغاية حيث ارتبط مفهوم النصر لديهم بالقوة المادية، فمن يمتلك سلاحاً أكثر وجيشاً أكبر وعدَّةً وعتاداً فهو المنتصر والقوي والغالب لا غير، بل للأسف أصبحت من المسلَّمات لدى كثير من المسلمين وغفلوا عن السرِّ الحقيقي للنصر الذي ذكره تبارك وتعالى في كتابه، فقد جاء مفهوم النصر في القرآن الكريم معتمداً على جانبين اثنين جانب حسي، وجانب معنوي، والجانب الحسي يكون بكثرة الجنود والآليات وحسن الإدارة والتخطيط لإدارة المعركة… وهذا الجانب قد أعطاه الإسلام أهميةً ولم يهمله، فأمر الحقُّ تبارك وتعالى أمة الإسلام أن تأخذ بهذا الجانب، وأن تعدَّ مثل هذا الإعداد، ولكن دقِّق في القرآن في آية الإعداد، فستجد أنَّ الله تعالى لم يطالبنا أن نكون مثل الأعداء في العدد والقوة والعتاد حتى نخوض المعارك معهم، بل لقد أمرنا أن نبذل ما في وسعنا وأن نبذل جهدنا قدر استطاعتنا فحسب، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ  وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 60].

وقد يسأل أحدُنا عن السرِّ في أن نبذل ما نستطيع من القوة فقط، ولم يُحمِّلنا أكثر من ذلك؟ والجواب عن ذلك بأنَّ المعركة التي يخوضها المؤمنون لا تستند إلى مبدأ القوة والأقوى، بل تستند إلى الجانب المعنوي؛ أي الإعداد الإيماني وهو الشقُّ الثاني لمفهوم النصر، والذي يعدُّ الجانب الأهم والأساس في خوض المسلمين للمعارك مع غيرهم، فالحروب بين غير المسلمين مع بعضهم هي حروبٌ تقوم على أساس الكفاءة والتفوق المادي، فمن ملك سلاحاً نوعياً أقوى وجيشاً أكبر وإعداداً وتنظيماً أكثر كانت له الغلبة والفوز في المعركة، أما إذا تقابل جيش المؤمنين مع جيش الكافرين فإنَّ الميزان يختلف تماماً؛ فنحن لا نقاتل عدوَّنا بكثرة عددنا وعدتنا، وإنما بإيماننا ومدى التزامنا بشرعنا وقربنا من الله تعالى، وتمعَّن في الأثر الوارد عن سيِّدنا عمر رضي الله عنه حينما كان يبعث قُوَّاده إلى المعارك، فقد جاء أنَّ عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص  رضي الله عنه في رسالة طويلة: “أما بعد: فإني آمرك، ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كلِّ حال، فإنَّ تقوى الله أفضل العدَّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك، أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإنَّ ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينتصر المسلمون بمعصية عدوهم لله؛ ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوةٌ؛ لأنَّ عددنا ليس كعددهم، ولا عدَّتنا كعدَّتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا لم نُنصر عليهم بفضلنا، ولم نغلبهم بقوتنا.”

 هذه الوصية التي تعدُّ دستوراً في خوض أيِّ معركة للمسلمين مع عدوهم ولا سيَّما في هذا الزمان مع العدو الصهيوني الغاشم لأرض فلسطين المباركة المقدَّسة، فلذا يجب أن تكون هذه الوصية نُصب عين كلِّ قائد ومجاهد؛ لنعلم جميعاً أنَّ النصر لا يأتي بكثرة عدد أو عدَّة بل نحن نقاتل أعداءنا بمدى اقترابنا من الله وتقواه وصبرنا، وكلما ابتعدنا عن المنهج ابتعدنا عن النصر، وزاد استقواء عدونا علينا أكثر، واستهانته واستخفافه بنا أكثر.

هذه الوصية التي فقهها عمر والصحابة رضي الله عنهم  وقادة المسلمين حتى أكرمهم الله بالنصر في أغلب المعارك على مرِّ التاريخ قد ذكرها الحقُّ تبارك وتعالى في كتابه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. 

فهذه الآية على قصرها ووجازتها قد لخَّصت سرَّ النصر ومفتاحه، وكما ذكر المفسِّرون في تفسير هذه الآية: “فهي أمرٌ منه تعالى للمؤمنين أن ينصروا الله؛ بالقيام بدينه والدعوة إليه وجهاد أعدائه، وأن يقصدوا بذلك وجهَ الله؛ فإنهم إذا فعلوا ذلك نصرَهم وثبَّت أقدامهم؛ أي: يربط على قلوبهم بالصبر والطُّمأنينة والثبات، ويُصبِّر أجسادَهم على ذلك، ويُعينهم على أعدائهم، فهذا وعدٌ من كريم صادق الوعد أن الذي يَنصره بالأقوال والأفعال سينصره مولاه وييسِّر له أسبابَ النصر، من الثبات وغيره”.

إنَّ الناظر في تاريخ معارك المسلمين وغزاوتهم ليجد  العجب العُجاب من نصر الله تعالى للمؤمنين، فغزوة بدر خير مثال على أنَّ النصر ليس بالعدد  والعتاد والعدة، بل كان نصراً ربانياً ومنحةً إلهيةً للصادقين الصابرين المتقين في تلك المعركة المفصلية، فكما هو معلومٌ أنَّ جيش قريش كان يعدل ثلاثة أضعاف المسلمين ويفوقهم بكلِّ شيء، لكن لو تمعَّنت في السبب الأساسي للنصر لوجدت ذلك الإعداد الإيماني الذي أعدَّه النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه طوال السنوات المكية السابقة، بل إنك لتعجب من تضرُّع النبي صلى الله عليه وسلم قبل بدء المعركة والالتجاء إلى الله تعالى، فتأتيه البشارة من الله بأنَّ النصر سيكون لهذه الثُّلة المؤمنة، وعلى النقيض من هذه الصورة الإيمانية العظيمة نجد غزوة حنين، وقد ذكرها الله تعالى في كتابه مفصَّلةً، حيث ركن بعض المسلمين إلى الأمور المادية، وجزم أنَّ النصر سيكون حليفهم بكثرة عددهم وعتادهم، حتى قال قائلهم: “لن نُغلب اليوم من قلَّة”، فكانت النتيجة أن انهزم أغلب الجيش، وفرُّوا من المعركة، وكادوا أن يخسروا المعركة لولا فضل الله عليهم وإنزاله السكينة في قلوبهم، واستمع إلى تلك القصة العظيمة التي خلَّدها القرآن بآيات تقرأ إلى يوم القيامة، لتكون لنا مرجعاً ودرساً ودستوراً في خوض أيِّ معركة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ  وَيَوْمَ حُنَيْنٍ  إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ٢٥ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا  وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ٢٦ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ  وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 25-27].

فنحن في هذا الزمن المادي الذي ابتعدنا فيه عن منهج القرآن القويم وركنا إلى الماديات فقط -وأنا لا أُقلِّل من شأنها فنحن مأمورون كذلك بالأخذ بالأسباب لكلِّ معركة- فبات مغروساً في عقولنا وقلوبنا وللأسف أنَّ النصر لا يكون إلَّا للأقوى، فعدونا الصهيوني يفوقنا بمئات المرات من منظور قوانين الحرب والقوة، ويخيفنا صباح مساء باستعراض قوته المادية، وأسطوله الحربي، وترسانته الحربية والبحرية والجوية، وأسلحته النووية، ونسينا أنَّ كل معارك المسلمين في السابق كنا أقلَّ عدداً وعدةً من العدو، فانتصرنا في كلَّ المواطن بالتقوى والصبر والالتزام بشرع الله قال تعالى: ﴿بَلَى  إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: 125].

فالآية الكريمة التي تأمر بالإعداد للعدو، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]،  لو دقَّقنا فيها النظر لوجدناها تعمُّ وتشمل كلَّ إعداد وعلى رأس هذا الإعداد الإعداد الإيماني؛ فهو أقوى عُرى النصر، وأدعى الأسباب للنصر، بل لن ننتصر حتى ولو امتلكنا أقوى ترسانة حربية عرفها التاريخ، وحتى لو تفوَّقنا على عدونا بكلِّ شيء ما لم نُعِدَّ أنفسنا إعداداً إيمانياً، فإن تخلَّينا عن هذا الإعداد الذي قد قصَّرنا كثيراً فيه فلن ننتصر ولن تعود مقدَّساتنا من يد هذا العدو الغاشم، فعلينا أن نرجع إلى الدستور الذي سنَّه الله في كتابه، وعلينا أن نراجع أنفسنا ونسألها، لماذا تأخر النصر عن المسلمين اليوم؟ وستعلم أنَّ الجواب في قوله تعالى واضحاً لا لَبْس فيه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

وأختم مع ذلك البطل والملك المظفَّر “قطز”-  الذي أخذ يناجي ربَّه متضرِّعاً خاشعاً منكسراً بين يدي ملك الملوك قبل بدء المعركة ذُلَّاً لمن بيده النصر؛ ويقول: “يا الله، انصر عبدك قطز على التتار”، فأنزل الله عليه النصر، وهزم التتار في معركة “عين جالوت” في أرض فلسطين المباركة المقدَّسة، حيث حقَّق انتصاراً ساحقاً وعجيباً في معركة تُعدُّ من مفاخر تاريخ المسلمين إلى يومنا هذا. فاللهَ نسأل أن يُحقِّق وعد الآخرة في اليهود الغاشمين، وأن نُحقِّق عين جالوت ثانية في أرضنا المباركة المقدَّسة، وأن نكون أهلاً لتلك المهمة الثقيلة التي تحتاج منَّا كلَّ إعداد، وأول هذا الإعداد هو الإعداد الإيماني ثم الإعداد المادي، وحينها سيأتي نصر الله تعالى المؤزَّر لعباده المتقين المرابطين الصابرين في أرضنا المقدَّسة المباركة أرض فلسطين.     

شاهد أيضاً

شعب الله المختار افتراءٌ أمْ حقيقةٌ

بقلم الاستاذ شادي دياب من الشُبَه التي تُقَال كثيراً حول بني إسرائيل، وهي كيف أنَّ …

بين الوعدَيْن

بقلم الأستاذ شادي دياب كثيراً ما نسمع أو نقرأ عن هبة أرض فلسطين لليهود، وذلك …

وراثة الأرض في القرآن الكريم ودلالتها

بقلم الأستاذ شادي دياب إنَّ عدم التفريق بين المعاني المختلفة لآيات القرآن الكريم، وعدم التَّدقيق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *