العِـــلْمُ… قـــوَّةٌ

بقلم الأستاذ صلاح أبو عبيدة
في سورة النمل لمَّا أراد نبي الله سليمان عليه السلام أن يأتي بعرش بلقيس طالباً من الملأ ممن حوله، فأجابه عفريتٌ من الجن: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل: 39]، توسَّل العفريت بقوَّته للإتيان بالعرش وأمانته للحفاظ عليه، أما العبد الصالح فقد أعطاه الله العلم الذي تفوَّق به على الجن: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: 40]، إشارة قرآنية رائعة إلى أنَّ القوة والتفوق الحقيقي يكون بالعلم، وفي هذا العصر ممَّا يدلك أنَّ هناك اهتماماً بالعلم على مستوى الدول والجماعات هي المؤسسات البحثية العلمية، وهي في الأمة الإسلامية عامة والعربية على وجه الخصوص، متواضعة جداً ولا تحظى بالدعم الكافي بالمقارنة بباقي القطاعات، على الرغم من وجود المال والقدرات البشرية اللازمة في هذه الدول، وغالباً ما يكون للعلم الترتيب المتأخر في سُلَّم أولويات حكومات منطقتنا العربية، على الرغم من يقين الجميع بأنَّ ناتج الدعم والاهتمام بالبحث العلمي هو خيرٌ يطال جميع نواحي الحياة، وعلى الرغم أيضاً من وجود أمثلة عملية واضحة، لنتائج الاهتمام بالمؤسسات العلمية والبحث والتطوير، دولٌ جعلت هذا المجال في صلب اهتماماتها وبرامج عملها، منها مثالٌ قريبٌ جداً من المهم أن نضعه دائماً في دائرة المراقبة، هذا المثال ليس في أوربا ولا أمريكا ولا أقاصي آسيا، إنه بيننا وعلى أرضنا المباركة التي احتلَّها، إنه كيان الاحتلال الصهيوني، فأمام هذا التطور العلمي والتكنولوجي للكيان الصهيوني ليس لدينا أي حجَّة لتخلفنا وتأخرنا الحضاري العلمي المادي، هذا العدو يُعرِّينا ويُظهِر تقصيرنا، فهل نحن عميان، أم ماذا؟ أَمَا تَعلَّمنا أنَّ الحكمةَ ضالَّةُ المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقُّ بها، فما لنا لا نتعلم من أعدائنا، ومتى تدبُّ فينا الحمية والغيرة للتنافس مع عدونا والتفوق عليه، فاليوم باتت التكنولوجيا من أهمِّ أدوات القوة المادية بين الدول والجماعات والشركات، فما لي أرانا في ذيل القائمة.
“إسرائيل” تنفق على الأبحاث العلمية والتطوير ما يساوي أو يزيد بقليل عمَّا تنفقه على القوة العسكرية، أما في المحيط العربي فالهُوَّة سحيقةٌ بين الإنفاق العسكري والإنفاق على الأبحاث العلمية هذا إن خصَّصت لها أي موازنات. كيان الاحتلال أصبح منشأً للكثير من التكنولوجيات الحديثة المدنيَّة منها والعسكرية، فتكاد أن يُطلق عليها لقب وادي السيليكون الثاني بعد وادي السيليكون في كاليفورنيا، بما تملكه من براءات اختراع ومراكز أبحاث وشركات رائدة في مجالاتها، ولديها اتفاقيات تعاون وشراكة وتصنيع وصفقات مختلفة مع كبار الدول المصنِّعة للتكنولوجيا، والمستهلِكة لها حول العالم كالولايات المتحدة والهند والصين وتركيا وكوريا الجنوبية، وهذا طبعاً سيدرُّ عليها مكاسب كبيرة ستعود لتدخل في دورة الاقتصاد الذي سيُغذِّي قوة الجيش وباقي أجهزة الكيان، ويستمر في تفوُّقه وطغيانه علينا، وكما أسلفنا فإنَّ “إسرائيل” هي إحدى الأمثلة العملية المهمة لنا في استثمار التكنولوجيا كأداة قوة.
وقد يقول قائل: إننا لا نستطيع أن نقارن حال “إسرائيل” مع حال دولنا، “فإسرائيل” هي كيانٌ مدعومٌ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من الولايات المتحدة الأمريكية، وتُقدَّم له المساعدات من بعض الدول الأوروبية، بالإضافة إلى تأثير “إسرائيل” ونفوذها في بعض الدول المؤثرة على الساحة السياسية الدولية، ناهيك عمَّن سيزعم أنَّ “إسرائيل” هي العابث المخرِّب الذي يُجهض دائماً مساعي التطور في بلداننا، وهي كذلك، تسعى دائماً للمحافظة على تفوُّقها التكنولوجي والعسكري على محيطها المعادي والمهادن، لكن هذا ليس عذراً لتخلفنا العلمي والتكنولوجي المادي، والمثال التالي سيؤكد ذلك، دولةٌ إسلاميةٌ من دول الشرق الأوسط تتحدى السياسات الأمريكية في المنطقة، وتدفع ثمن ذلك من الحصار والعزلة الدولية وتبعاتها منذ عام 1979م بعد نجاح الثورة فيها، وتُحوِّلها إلى نظام حكم إسلامي، ولا ننسى أيضاً ويلات الحرب التي خاضتها مع العراق لمدة ثماني سنوات، ونتائجها من الخسائر الكبيرة على كافة الأصعدة في كلا الطرفين، وعلى الرغم من كل تلك الصعوبات والتحديات مضت إيران في طريق تطوير قدراتها الذاتية في كافة المجالات، وانتهجت استراتيجية الاعتماد على النفس بالقدرات البشرية والموارد الوطنية ما استطاعت، حتى أصبحت على ما هي عليه اليوم، تأكل ممَّا تزرع، وتلبس وتركب ممَّا تصنع، فما إن وقَّع الغرب معها اتفاقاً لاحتواء برنامجها النووي، حتى نقضت أمريكا الاتفاق بحجة مخاوفها من برنامج إيران الصاروخي، وأنه يجب احتواء هذا البرنامج بشروط ومحددات في اتفاق جديد مع البرنامج النووي، وربما سيتمُّ التوصل لاتفاق جديد وبعد مدة من الزمن ربما ستنقضه أمريكا؛ بحجَّة أنَّ ايران لديها برنامج أقمار صناعية يُهدِّد العالم مثلاً، أو أنَّ لديها برنامج درونات أخطر من اللازم، لا أحد يعلم…
والشاهد ممَّا ذكرناه أنَّ إيران دائماً تُحدِّث قدراتها وتبني أدوات جديدة، بحيث تحافظ على قوتها من خلال البحث العلمي والتطوير الذاتي، بما يضمن لها موقفاً سياسياً قوياً تُملي به ما تريد على أعدائها، ويكون لها الأسبقية في المبادرة والفعل، وتضع عدوها في موقف المنفعل الحائر المحشور بين مرارات الخيارات المتروكة أمامه.
إنَّ الغرب يُدرك بوعي أهمية العلوم المادية التي يتفوَّق بها أيما تفوق بالنسبة إلينا، ويُدرك أيضاً أنَّ امتزاج هذه العلوم مع الإيمان بعقيدة إنسانية راقية كالإسلام الحق، فإنَّ الناتج سيكون حضارةً لم تعرف البشرية لها مثيلاً من قبل، فلا عجب في أنك ترى دول العالم الإسلامي اليوم على ما هي عليه من تأخُّر علميٍّ، فحتى يحافظ الغرب على تقدُّمه علينا، يجب أن يعمل بشكل دائم على رفع مستوى تفوُّقه، بالإضافة إلى تقويض تقدُّم الآخرين، وهذا ما تفعله “إسرائيل” في محيطها بالضبط، ونحن من نُساعدها ونسهِّل لها مهمتها، نحن المعنيُّون بمواجهتها أينما امتدت، نحن فصائل المقاومة الفلسطينية، التي ما إن يُحقِّق بعضها انتصاراً ما في إحدى المعارك حتى تنالَ بعده عشرات الإخفاقات، ومع ذلك تظلُّ تتغنَّى وتحتفل بانتصارها السابق دون أن تتعلَّم ممَّا مرَّت به، أو أن تتحمَّل مسؤولياتها ونتائج إخفاقاتها، وغالباً ما يكون الشعب الفلسطيني هو المتأثر الأكبر.
إنَّ القارئ لتاريخ هذا الصراع الطويل يُلاحظ بوضوح الكثير من الأخطاء التي ارتكبتها بعض التنظيمات الفلسطينية بحقِّ الشعب الفلسطيني في الشتات، وبحقِّ المجتمعات التي كانت تحتضنها، فكانت هذه الفصائل تهتمُّ بالجانب الظاهر المباشر من الصراع، وتغفل جوانب أخرى لها تأثيرٌ كبيرٌ وحاسمٌ على المدى المتوسط والبعيد، على الرغم من أنَّ تلك الفصائل بلغت من امتلاك القوة والمقدرات ما يجعلك تحتار في تصنيفها، أهي تنظيمٌ أم دولةٌ؟، ومع هذا لم تكن هناك لها رؤيةٌ استراتيجيةٌ واضحةٌ، ولم تأخذ دورها السليم تُجاه المجتمع الفلسطيني والمجتمعات المُستضِيفة، بل تركت أثرا سيئاً وسلبياً معظم الأحيان وخاصة على المستوى الاجتماعي بتصرفات ورهانات لا تخدم القضية، فالنتيجة كانت أنَّ بعض المناضلين الفلسطينيين يتسببون بمفاسد كبيرة للإخوة المحتضنين لهم، كانت تُعطي الذريعة للطابور الخامس؛ ليؤلِّبوا النفوس ضدَّ القضية في مجتمعات تدعمها، ويبدو أنَّ السبب الرئيس للوصول لهذا الوضع، هو عدم وجود رؤية وتصور سابق عند هؤلاء الثائرين لِما يُمكن أن ينجرُّوا إليه خلال هذا الصراع الطويل، أو أنهم لم يستوعبوا أنَّ أبعاد هذا الصراع أعمق بكثير من مجرَّد رفع البندقية في وجه العدو أو عملية بطولية هنا أو هناك، طبعاً على أهمية هذا العمل، وهو الضروري ومن الواجب أداؤه، لكنه غير كافٍ.
وبما أننا تحدثنا بدايةً عن العلم وقوة صاحب العلم، فرأس المال الأساسي في المجال العلمي هو المورد البشري، فالتعليم أخذ جانباً مهماً من حياة الفلسطينيين في الداخل والخارج، فبعد النكبة والنكسة والحروب التي تلتها وما تسببت به كلُّ حرب من نزوح عن الأراضي والممتلكات، وفقدانٍ لمصادر الرزق لدى شريحة كبيرة من الشعب الفلسطيني، أصبح التعليم ملاذاً ونافذة أمل للعائلات الفلسطينية؛ لتأمين وضع معيشيٍّ أفضل لأبنائها، وأدَّى هذا إلى أن يكون الشعب الفلسطيني من أعلى الشعوب العربية نِسَباً في التحصيلات العلمية، وساهمت القوى الفلسطينية مساهمات لا بأس بها في مساعدة الشباب الفلسطيني على متابعة تحصيلهم الدراسي، لكن ما غفلت عنه معظم الفصائل هي أن تقطف ثمرة مساهماتها والثمار السهلة التي كانت متوفرةً في الجنة الغنَّاء من الموارد البشرية المُؤيِّدة والداعمة (للشعب الفلسطيني في الداخل والشتات والمهجر وشعوب المنطقة والشعوب الإسلامية)، هذه الموارد التي كانت وما تزال متاحةً لكلِّ من يريد استثمارها؛ لتصبَّ في صالح القضية، فمعظم التنظيمات لم تمارس دورها بجدِّية في تنظيم وتأطير الفئات المتعلِّمة من المجتمع الفلسطيني في مؤسسات ترعى شؤونهم، وتدعم إمكانياتهم، وتنمي ما لديهم من أفكار ومواهب وطاقات، وتوجِّه منتوجاتهم الفكرية والعلمية والعملية في اتجاه يدعم القضية بشكل فعَّال في كافة المجالات، وإذا استُثمرت هذه الفئات حقَّ استثمارها، سينتج منها أدوات جديدة يجب أن تُدار بشكل جيد؛ لتفتح آفاقاً وساحات جديدة؛ للنيل من العدو، لم يكن يحسب لها حساب، “فكلما زاد استخدامك لما تملك، زاد ما تملك لاستخدامه”، زيج زيجلر.
هذه التوليفة التي ستُنتِج من تبني المجال العلمي، من ساحات وأدوات ستُعطينا خيارات كثيرة وموارد وفيرة وقدرة كبيرة على المناورة في الطريق نحو التحرير وبأقل الخسائر والأضرار الجانبية، ولن تسمح لعدونا بأن يجرَّنا لمستنقعات الخذلان أو أن يحشرنا بين مرارات الاختيارات كما يحدث الآن، وسيجلب هذا التبني مكاسب كبيرة للتنظيمات المقاومة والمجتمعات الحاضنة والمُستضِيفة، تلك الموارد والأدوات إذا امتزجت مع الرؤية الواضحة وحسن الإدارة وحسِّ المسؤولية على أساس الإيمان بالله والتمسك بكتابه، ستؤدي هذه العوامل إلى تمكين التنظيمات الفلسطينية، وإثباتها لنفسها وللشعب الفلسطيني ولكلِّ شعوب الأرض أنها جديرةٌ بحمل أمانة تحرير الأرض المقدَّسة ووراثتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *