القُدُس أم القُدْس أم الأرض المقدَّسة؟ الصراع على الاسم والموقع

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة
جزءٌ مهمٌّ من أرض فلسطين مقدَّسٌ بتجلَّي الخالق سبحانه وتعالى عليه، وهذا الجزء مسوَّرٌ وله بابٌ كما في نصِّ القرآن الكريم، ولقد تنبَّهَ لهذا الكاتب خليل الكلاس في كتابه الأرض المقدَّسة، وذكر في ذلك وجوهاً استقرأَ من خلالها صِحَّة استنباطه.
ومع أنَّ الرجل قد قام بإيقاد شرارة البحث عن الاسم الأصيل لبقعة جغرافيَّة لا تتجاوز العشرات من الكيلو مترات، وقد وُفِّق في ذلك باعتقادي، إلا أنَّه غفِلَ أو أغفلَ شاهداً قاطعاً في القضيَّة لانشغاله بالردِّ على تحريف كهنة بني إسرائيل لمعنى القداسة من صفة للبقعة المذكورة إلى مصدر للقداسة، وأجهدَ فكرهُ -مشكوراً- في دفع ما جاء عن ذلك في العهد القديم.
الشاهدُ المذكور يتمثَّل في آيِ القرآن الكريم مفهوماً من بين ثنايا الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وبين قومه إذ أمرهمُ الدخولَ الصريح، فقال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 21]، فدعواه الواضحة والمُلحَّةُ المقروء وضوحها من قوله: “ولا ترتدوا على أدباركم”، يُفهم منها أنَّ هذه الأرضَ محدودةٌ لا واسعة، ولو كانت على خلاف ذلكَ لما توعَّدهم بالخُسران، “فتنقلبوا خاسرين”، فليس من شأن نبيٍّ أن يَشُقَّ على قومه، ولَوَضعَ بين أيديهم مخرجاً لذلك، كأن يأمرهم بالدخول من باب آخرَ لو وُجد، أو لَوَضعَ لهم مدخلاً بديلاً فيما إن كانت الأرض المقدَّسةُ المطلوبةُ واسعةً فيدخلوها من باب آخر، أو من بحر فيما إن كانت مطلَّةً عليه، وهذا لا يكونُ من جهة أنَّ الأرض المقدَّسة هي نافذةُ الأرض إلى السماء، وفي القلب منها المسجدُ الأقصى المُبارك حوله، وبالتالي ما حوله محسوبٌ عليه، إلا أننا نتقيَّد بما حوله لا بما حولَ حوله، وهذا يحتاجُ إلى وِقفةِ وموقف في قادم الأيام.
يؤيِّدُ رأينَا هذا، ما ذُكرَ على لسان الرجلين اللَّذَين أنعمَ الله عليهما حينَ قالا: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]، فكيف تكونُ لهم الغلبةُ إن اعتقدنا أنَّ الأرض المقدَّسةَ واسعة المساحة؟، وأنَّ وراء القوم المنعوتين بـــ(الجبارين) أميالاً من الأرض المقدَّسة يُكدِّسون فيها عدَّتهم وعديدهم؟، ولو سأل سائلٌ أنَّ ذلك لا يستقيمُ لاعتبار وعدِهم بتدخُّل إلهيٍّ، قلنا: لاتَّضحَ ذلكَ أيضاً في ردِّهم، فلن يدَّخرَ أحدهم جهداً في دفع القتل عن نفسه، كأن يقول: إنَّ الأرض المقدَّسةَ كبيرةٌ وواسعةٌ ومن نحوِ ذلك مما عُرفَ عن القوم من جرأة في الطرح، وتجرُّؤ على الله وأنبيائه، وهم ديدنهمُ الهروب من الأوامر، فما أرحبَ على صدورهم من دخول الأرضَ المقدَّسة من مكان لا قتال فيه ليحتجُّوا بعد ذلك بالتزام النصِّ وهو (الدخول) لا سواه.
هذه البقعة الصغيرة المذكورة تقودُنا إلى سبب تسمية الأرض المقدَّسة بالقدس وبأسماء غيرها، فهي مدينةٌ أو شبه ذلك، مدينةٌ صغيرةٌ كما هو حال المدُن في سالف العصور، لم تصل جوانبُها إلى أقرب المدن إليها، كما لم تصل إلى بحر، ما لم تكُن بحريةً في أصل وضعها.
إذن، من أين أتت تسميةُ (القدس) للأرض المقدَّسة؟ هل هي من الأثر الإسلامي؟ أم من غيره؟ وما هي الحكمة الكامنةُ وراءَ هذه التسمية التي ما فتئت أقلام المسلمين تذكرها وكأنها لفظٌ قرآنيٌّ، أو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قد تلفَّظَ بها لسانه؟.
“… لقد تردَّد اسم القدس في كتاب العهد القديم أكثر من 680 مرة، فاسم القدس (بضمِّ الدال وسكونها) لم يُذكر إلا على ألسنة كهنة يهود.
في بادئ الأمر، غلبَ هذا الاسم على المدينة بعد الفتح الاسلامي، إلى جانب اسمها الأصلي (الأرض المقدَّسة) واسم (بيت المقدس) الذي ورد في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، دون أن يكون لاسم القدس سندٌ من كتاب الله أو سنة رسوله، فقد درجَ هذا الاسم الأخير على ألسنة العامة والخاصة في كل ديار الإسلام مقترناً بذكر كلمة (الشريف) إلى جانب كلمة (القدس) تأدباً وتكريماً، وصار المسلمون لا ينطقونها إلا موصوفةً بها…”( ).
فما الذي دفعَ ألسنتَنا لنطق(القدس) بدلاً عن الأصل (الأرض المقدَّسة)؟ وهو الاسمُ الأصيلُ لها الذي لو شاعَ لأجَّج الحميَّة في قلوب المسلمين بحثاً وتنقيباً عنها، ولتمكَّنَ الاسمُ من لعب دورهِ في إشعال عملية الاسترداد. يعتقد الكلاس أنَّ بعض الكُتَّاب المحدثين وجدوا تبريراً لشيوع اسم (القدس)، وهو عظيمُ شأنها عند الله تبارك وتعالى، فإنه جلَّ جلاله اشتقَّ لها اسماً من أسمائه وهو (القُدُّوس)، فكانت القدسُ هي الأرض المقدَّسة التي عناها ربُّ العالمين في كتابه العزيز المهيمن.
ويُوضِّح أننا لم نجد في تراثنا العربي الإسلامي ما يُؤيِّد هذا الوجه، فضلاً عن كون الدلائل التي بين أيدينا من كتاب الله تعالى ومن سنة نبيه عليه الصلاة والسلام تدحضُ هذا الادعاء، وبالتالي تجد من نقلَ هذا الرأي قد نقل الإسرائيليات الواسعة الذمم.
ولعلَّ هذا ما يريده اليهود اليوم من إشاعة هذا الاسم على الأرض المقدَّسة؛ لينشروا -كما أعتقدُ- مفهومَهم عن القداسة والتقديس، وما ذاك إلا لكسب الصراع لجهتهم باعتبار أنها قدسٌ لهم من الأغيار ومن قبيح الأفعال، وليست أرضاً مقدَّسةً بفعل الله تعالى لعباده الصالحين المصلحين، وهذا أمرٌ جللٌ يُثير التساؤلَ المنطقي عن سرقة اليهود للنعوت في سبيل تذويب أبناء أمتنا الإسلامية وإغراقهم في بحر المصطلحات، وهذا ما كان عندما انساقت العقولُ خلف ذلك مُتذرِّعةً باللسانيات من أمثال كمال الصليبي ومن خلفه.
في الختام لا بدَّ لنا أن نجيبَ عن تساؤلٍ مفترَضٍ، ومفترَض وروده على لسان القارئ، وهو: هل من واجبنا أو قل هل من مهمتنا أن نردَّ أسماء المدن إلى أصلها، وندفعَ ما تشابه منها علينا حفاظاً على هويتنا العربية الإسلامية؟.
أقول: ليس من الضروري أن نجهدَ أولاً إلا في كلِّ ما من شأنه أن يُعيدَ حقيقةَ الصراع إلى نصابه، فالأرض المقدَّسةُ في قلب الصراع، وحولها فلسطين والشام، ثم مصر والحجاز والعراق، وهكذا …إلخ، فليس من الحكمة في بادئ الأمر أن نستقصيَ المعطيات في تسمية مكناس وطبرق ومسقط ونحو ذلك مما لا يمتُّ للصراع بصلة، ولنعلم أننا في تثبيت أسماء أرادها الباري جلَّ جلاله إنما نقوم بالتقدُّم بفكر أبناء أمتنا خطوةً نحو استعادةِ أرضٍ قدَّسها الخالق، وتكالبت الأمم على سرقتها وتحريف اسمها وتشويه معالمها، وإنَّ الجهد في إعادة أمور التسمية إلى نصابها بابٌ مفتوح، أقطعُ أنَّ العديدَ من الآراء المخبَّأة في عقول مفكِّرينا ستجعلُ الصورةَ واضحةً إن أثارت أهميةُ الاسم التساؤلَ لديهم، فأتحفَت أقلامُهم بما أفاضهُ الله عليهم عقولَنا من فهم عميق وفكر دقيق.

شاهد أيضاً

بنو إسرائيل والنِّعم الإلهيَّة في مطلع سورة الإسراء

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارةيُعدُّ ذكرُ نبيِّ الله نوح عليه السلام في مطلع سورة بني …

الهيكلُ المزعوم رواياتٌ متعدِّدةٌ ومجهودٌ متواصلٌ

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة يعتقدُ اليهودُ أنَّ المسجدَ الأقصى المُقامُ على ما يُسمُّونه (جبل …

المصطلحات القرآنيَّة في سورة بني إسرائيل… التَّسبيح أوَّلاً

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة عندما افتتح الباري جلَّ جلاله سورةَ الإسراء استخدم المصطلحات المعنيَّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *