التوهم وأثره على القضية

بقلم الأستاذ ياسر الزفري
ظنَّها بسيطةً فكانت المفاجأة…
واعتقدَ أنها تافهة فكانت الفاجعة…
ورأى أنها لا تستحق فكانت الصاعقة…
إنها تصورات الإنسان عن الخلق والبعث والكون والآخرة والحياة والنشور التي طالما وضع لها من تلقاء نفسه نهايات غريبة وخواتيم أسطورية غير واقعية، فعندما يُخمِّن الإنسان، ويتوقَّع شيئاً مغايراً للواقع ثم يرى أنَّ الواقع مختلفٌ ستكون الفاجعة، وهذا ما سمَّته العرب سابقاً “التطير”.
نرجع إلى البداية، فلقد وصلنا في سورة الإسراء إلى مفهوم الحساب: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: 12]، وهذا الحساب الذي يجب على المؤمن الفلسطيني أن يحاسب نفسه ومشروعه به مبنيٌّ على أساس القرآن، وهذا تكلمنا عنه سابقاً، ومن بعدها جاءت الآية: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: 13].
ولكن، ما معنى ” ألزمناه طائره في عنقه”؟ ولماذا أتى ذكرها هنا…؟ وما ربطها بموضوع السورة العام، وهو القضية الفلسطينية وتحرير المسجد الأقصى؟.
ذُكر “التطير” في القرآن الكريم بعدة معاني، فقد أتى بمعنى التشاؤم والفأل السيء والتخمين…إلخ.
وفعل التطير عموماً هو التخمين أو التوقع المبني على جهل والاستبشار بدون علم والمشي بلا دليل…
وهذا ما كانت العرب تفعله سابقاً أيام الجاهلية حيث كانوا (يتطيرون) أي إذا همَّ أحدهم بعمل أمر أطلقَ طائراً، فإذا أخذ جهةً معينةً بالطيران همَّ الرجل بالعمل واستبشر، وإن أخذ الجهة المعاكسة أحبط وتنحَّى عن العمل.
وهذا الفعل الجاهلي الذي يستشرف المستقبل ويضع ميزاناً خيالياً للواقع، هو فعلٌ مبنيٌّ على جهل لا أصل له لذلك حيث إنَّ التصور المرسوم في ذهن الإنسان هو حقيقة الأمر الذي يدفعه للعمل، فإن كان تصوره واستشرافه للمستقبل قائماً على أساس القرآن فقد اهتدى، أما إن رسم تصوراً أو (تخميناً) من بنات أفكاره دون الرجوع لمستند من الوحي الصادق، فهو التطير ولو سُمِّي بسميات عصرية كالتحليل السياسي والواقعية ومجاراة العصر وغيرها من المسميات التي تُسوَّق في الإعلام، وما هي إلا ضربٌ من “الظنِّ”، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28].
وهذا الفعل الجاهلي كثيرٌ هم من يقومون به في قضيتنا الفلسطينية على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي، فكلُّ إنسان يحمل مسؤولية (طائره) أي تخمينه، فإمَّا يُضلُّ نفسه أو يُنجيها، والميزان هو كلام الله تعالى، وكمثال على ذلك: فمن اعتقد أنَّ المال هو سر السعادة فهذا طائره وتخمينه…
والحقُّ أنَّ الرضا هو سر السعادة، ومن ظنَّ أنَّ جمال المرأة أو نسبها هو سبب بناء الأسرة الصالحة فهذا تخمينه… والحقُّ أنَّ الظفر بذات الدين هو أساس بناء الأسرة، ومن ظنَّ أنَّ القوة والغلبة لأعداء الله في فلسطين فهذا ظنُّه بل توهمه… والحقُّ أنهم أضعف من بيت العنكبوت، ومن ظنَّ أنَّ التطبيع مع أعداء الله سبب الرفاه الاقتصادي والنمو الاجتماعي وزيادة معدلات الدخل فهذا ظنُّه… والحقُّ أنه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال: 36]، لتأتي الآية الكريمة لتقول صارخةً في وجه المستبشرين بأعداء الله والمتطيرين بهم أنَّ ظنَّكم في عنقكم إلى يوم القيامة، وسيُخرج الله لكم كتاباً تلقونه منشوراً: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14].
فظنُّ الإنسان وتوهمه وبناء علمه على الجهل والتوقع والنظرة السطحية هو سبب هلاكه، وها هي الأمثلة تأتي صارخةً، فأين هم من توقَّعوا غلبة جيش العملاء في الجنوب اللبناني، وتطيروا بالمقاومة…؟! لقد أصبحوا في مزابل التاريخ، وجاء الحق وزهق الباطل، وأين هم من وصفوا صواريخ غزة بأنها (عبثيةٌ)…؟ وها هي اليوم تطال تل أبيب وحيفا، وتزداد يوماً بعد يوم لتثبت أنَّ الحق باقٍ وأنَّ الباطل زائلٌ، وها هم أصحاب منهج السلام مع العدو الصهيوني اليوم يكتشفون متأخرين أنَّ العدو الصهيوني لا يعاهد ولا يصالح.
لقد بنى هؤلاء نظرياتهم في الصلح مع اليهود وقتها على تخمين أو “طائر”، فلقد خمَّنوا حينها أنَّ أمريكا محبةٌ للسلام، وأنَّ العدو الصهيوني قد أصبح مسالماً، وأنَّ المقاومة لم تعد تُجدي، وأنَّ “إسرائيل” أصبحت أمراً واقعاً. كلُّ هذا كان وهماً وتطيُّراً وتخميناً بلا دليل ملموس؛ فعندما بنى هؤلاء نظرياتهم في السلام مع اليهود لم يستندوا حينها إلا على التخمين والوهم والتوقُّع بلا دليل، ليأتي بعدها اليوم الذي يكتشفون فيه فشل نظرياهم والوهم الذي كانوا عليه، فهم محاسبون أمام الله والناس عمَّا زعموه وهماً أمام الشعب، لذلك يخُرج الله لهم يوم القيامة كتاباً يلقونه منشوراً، لذلك كلُّ إنسان مسؤولٌ عن تصوراته وتوقُّعاته أمام الله والناس، هذه التوهمات التي قد تُدخِل الناس في متاهة لا يخرجون منها لسنوات طويلة. فالحقيقة الكبرى أنَّ وعد الله آتٍ لا محالة بنصِّ الآيات، وتوهُّم بني إسرائيل وحلفائهم المطبِّعين بمشروعهم المكذوب من الفرات إلى النيل ما هو إلا تخمينٌ وتوقُّعٌ، بل هو وهمٌ وكذبٌ، و هم مسؤولون أمام الله والناس أجمعين، وفي عنقهم إلى يوم القيامة هذا التوقُّع والتخمين الكاذب، فقتال الصهاينة هو الحقُّ… ومصالحتهم وحوارهم هو الوهم والطائر، وزوال الكيان هو الحقُّ… وبقاء الفساد على الأرض المقدَّسة هو الوهم، والشهادة في سبيل الله هي الحقُّ والرفعة… والتعايش مع الكيان هو الوهم الذي آن أوان قادة القضية أن يفهموه ويعملوا على أساسه: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
إنَّ وعد الآخرة هو الحقُّ القائم، والكيان الصهيوني هو الوهم والطائر الزائل، فكلُّ فرد في قضيتنا الفلسطينية مسؤولٌ عن تخميناته وتوقُّعاته أمام الناس، فمن بشَّر الناس بوعود الله عزَّ وجلَّ على لسان الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام فقد بشَّر بالحقِّ ونجا، ومن أحبط الناس وأوهمهم بقوة الاحتلال وعملائه والمطبِّعين، فقد خمَّن بلا دليل، وتوقَّع بلا منهج علمي، وجاء بباطل للناس بلا دليل، فعليه أن يتحمَّل ما تطيَّر به وادعاه أمام الناس.

شاهد أيضاً

الفلسطيني الجديد

بقلم الأستاذ ياسر الزفري ارتبط اسمه كثيراً بالشتات…والتصقتْ حياته بالمعاناة…وحاولوا كثيراً حصره في مخيمه…إنه الفلسطيني …

ويبشِّر المؤمنين

بقلم الأستاذ ياسر الزفريتحدَّى العرب وسائر الأمم ….وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ….وفصَّل وأجمل….وبيَّن …

من وحي الإسراء

بقلم الأستاذ ياسر الزفري لطالما قام بها النبيُّ ﷺ ولطالما عكف الباحثون والدارسون على سبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *