الآخرة… أكبر درجات وأكبر تفضيلا.

بقلم الأستاذ ياسر الزفري

كانت الدافع والمحرك، وما زالت تلهب النفوس وتحركها، وتلهم القادة الربانيين.

وستبقى أبداً هي الغاية.

إنها الآخرة، ووعْدها التي ارتضاها الله لنا كهدف نسعى له، وقضية ننتمي إليها.

فلنبدأ قصة الآخرة من أولها….

ففي سورة الإسراء يقول عزّ وجل: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا١٨﴾  [الإسراء:81].

وفي هذه الآية ميَّز الله عزّ وجل بين أصحاب مشروع الآخرة ووعدها، وأصحاب المشاريع النفعية، الذين يجعلون مشروع الأمة مطية لأهدافهم الشخصية، وسفينة لبحر أحلامهم.

وأكد الله سبحانه على أن كلاً منهم سينال حقه ونصيبه ودرجته وفضله في الدين، ومن ثَمَّ في الآخرة.

لذلك يتمم الله وعده بالتأكيد: ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا٢٠﴾[الإسراء: 02]

لذلك لا بد لكل واحد منهم أن يجد ضالَّته وجنته التي يفرح بها.

فجنة المنافق ظلام الدنيا، وجنة المؤمن السعي في سبيل ربه تحت ظلال البنادق، وفي خدمة أبناء شعبه.

فالمنافق يسعى لدنياه ورفعة اسمه ومناصبه.

والمجاهد المؤمن الذي يسعى للآخرة ينظر ضاحكاً من عبث وجهل وغفلة مَن ركبوا بحر أهوائهم، وعمروا دنياهم وخربوا آخرتهم.

فأصحاب المشروع النفعي يرون العزة بالمال، ويرون الجاه بتقلد المناصب والأسماء الكبيرة، لاهثين وراء درجاتهم ومناصبهم المتوهجة، ساعين للاستزادة والفضل من هذه الدنيا، محزونين على ما فاتهم من متاعها، راكضين وراء وَهْم، لن يبلغوا الوصول له، درجات وهمية وفضل لم يُنسب إليهم.

أما أهل المشروع الرباني فالطمع بالله وجنته، وسعيهم الحثيث إلى لقاء وجهه، وعملهم الدؤوب للقاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام.

والطموح دوماً لنصر المنهج الرباني في الدنيا.

الدرجات عندهم خدمة الناس، والفضل لديهم تلبية حاجات الخلق والتنافس بينهم لنصر دين الله، يبتغون فضل الله ووجهه الكريم، حزنهم دوماً على فراق كتاب الله، وشوقهم لرعاية عباد الله، وكرههم لسجن الدنيا، ورغبتهم للقاء ربهم.

الدنيا لديهم سجن، والآخرة لديهم حلم وشوق.

فيرفع الله درجاتهم ويُعلي ذكرهم، ويرفع قدرهم في الدنيا والآخرة؛ لأنهم ارتبطوا بالله العظيم، فكانت درجاتهم أكبر وفضلهم أعلى وأجدر، ومكانتهم بين الناس في الدنيا أكبر.

فسورة الإسراء اليوم تبين لكلٍّ طريقه، وتوضح لكلٍّ مصيره، فأهل الدنيا سينالون ما رغبوا به، ولكن هيهات لهم من أهل الآخرة وتفضيل الله لهم.

إنهم أعظم قَدْراً وأكبر فضلاً ودرجة، فالآيات اليوم تعالج المرض الأصعب الذي يواجه أي قائد في قضية التحرير، ألا وهي الدنيا ودرجاتها المزيفة، نعيمها الزائل وفضلها المتوهم.

فإن لم يترسخ لدى قادة العمل الفلسطيني بأن الآخرة هي الأكبر درجات، والأكثر تفضيلاً، فالنتيجة ستكون هلاك الجيل ودمار الأمة.

فإذا كان القائد يرى أن الدنيا مكان للتنافس ومحل للسعي وراءها، فلا عتب بعدها على الأتباع، فالناس على دين ملوكها وقادتها.

لذلك أتت الآيات لتُرغِّب في الآخرة وتُعظِّم من شأنها، ولتستصغر وتستحقر ما يراه أصحاب المشروع النفعي عظيماً.

فالله رغَّب المجاهدين في الآخرة ووعدها بأنها أكبر درجات وأكبر تفضيلاً.

فالدرجات هي مطمع النفس ومحط أهوائها، وهي شهوة وضعها الله عزوجل في نفس الإنسان، فدرجات المجاهد هي الأعلى في الدنيا والآخرة ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا٩٤ لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا٩٥ دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا٩٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا٩٧ إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا٩٨ فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا٩٩ ۞وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا١٠٠﴾ [النساء: 49-001]

أما التفضيل فهو الإضافة والزيادة على الدرجات.

فدرجة المجاهد درجة عالية، ولكن التفضيل الذي جاء في الإسراء هو تفضيل إضافة لدرجته.

فالقتال في فلسطين وبقاعها المباركة هو تفضيل، وذكر المعركة بالخصوص والاسم في القرآن هو تفضيل.

وتبشير النبي صلى الله عليه وسلم بها تفضيل، وقتال الشجر والحجر معنا في المعركة هو تفضيل.

فمن ابتغى الدرجات العلى وتاقت نفسه للفضل فقضية الأقصى ووَعْد الآخرة هي مبتغاه.

وختاماً: إن الله عزّ وجلّ قد أختار لهذا الشعب أشرف القضايا وأطهر الأمكنة وأقدس المساجد؛ ليرفع ذكره ويعلي درجته ويزيد من تفضيله في الدنيا والآخرة.

فلا فضل يعلو على يوم رباط وليلة جهاد على تخوم فلسطين.

شاهد أيضاً

التدافعُ… سنةٌ كونيَّةٌ

بقلم الأستاذ ياسر الزفري جعله الله عجولاً…وكان أكثر شيءٍ جدلاً…وكان ظلوماً جهولاً…إنَّه الإنسان كما أخبر …

الفلسطيني الجديد

بقلم الأستاذ ياسر الزفري ارتبط اسمه كثيراً بالشتات…والتصقتْ حياته بالمعاناة…وحاولوا كثيراً حصره في مخيمه…إنه الفلسطيني …

ويبشِّر المؤمنين

بقلم الأستاذ ياسر الزفريتحدَّى العرب وسائر الأمم ….وجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن ….وفصَّل وأجمل….وبيَّن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *