حق العودة .. ديني لا تاريخي

بقلم الأستاذ مدثر سندس

مازال يحاول مروجو السلام الزائف والتطبيع مع الكيان الصهيوني أن يعزلوا القضية الفلسطينية عن سياقها الديني، وأن ترتبط فقط بمن ولد وعاش على أرض فلسطين قبل عام 1948، وبمن ذاق مرارة اللجوء في دول الشتات بعد أحداث النكبة والنكسة، فاصطبغ رغماً عنه بصفة اللاجئ والنازح والمشرد وغيرها من الألقاب التي تزيد في معانيها من قساوة الحياة بكل مناحيها لأبناء الشعب الفلسطيني.

وإن السعي الخبيث لأولئك لطبع القضية الفلسطينية بطابع المفاهيم الوطنية، أو القومية، أو الجغرافية، أو التاريخية، بعيداً عن القدسية الإسلامية لأرض فلسطين التاريخية جاء منسجماً مع المفاهيم والقوانين الدولية الغربية، المتحيزة التي أسست حلولها للقضية الفلسطينية بميزان المصالح وتوازن القوى في المنطقة، مع سعيها الحثيث لإبقاء هذا الشعب مجتثاً عن أرضه، وليس له وجود حقيقي إلا ضمن إحصاءات وجداول معونات وإغاثات إنسانية.

وحق العودة إلى أرض فلسطين وإنهاء حالة اللجوء والشتات حق ننظر إليه بناء على عقيدتنا بكلام رب العالمين، ودائماً كنا نؤكد على أن حق العودة إلى فلسطين لا ينبغي أن يرتبط بمسألة أسبقية الوجود التاريخي على هذه الأرض، ولا أن يتصل بمنطلقات قومية أو وطنية، فهو حق يؤول لعباد الله الأتقياء وحسب، بغض النظر عن الجنسية والأصل، قال تعالى ﴿… إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ١٢٨﴾ [الأعراف: 821].

مزاعم يهودية باطلة:

إن اليهود يدعون بأن أرض فلسطين إنما هي أرض الميعاد، وأنها كانت مملكة داوود وسليمان عليهما السلام، ونحن كمسلمين لا ننكر قيام مملكة داوود وسليمان عليهما السلام على أرض فلسطين، ولكن هذا لا يعني أن لليهود اليوم الحق في المطالبة بأرض فلسطين بناءً على ذلك، لأن مملكة داود وسليمان عليهما السلام كانت مملكة نبوة وتوحيد وعبادة وإصلاح في الأرض، وكانت تقوم على العبودية لله تعالى وتحقيق العدل وإقامة حدود الله، وكل تلك العناصر الإيمانية لا علاقة لها من قريب أو ببعيد بيهود اليوم، فالأرض يرثها عباد الله الصالحون، وأما المفسدون فلا إرث لهم ولا نصيب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ١٠٥ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ١٠٦ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 501-701].

فالذين كفروا من اليهود والنصارى، وأشركوا بالله سبحانه، وعصوه، ونقضوا العهود مع الله تعالى، وقتلوا الأنبياء، وحرفوا كلام الله؛ فقدوا حقهم في الأرض المقدسة، واستحقوا لعنة الله سبحانه ولعنة أنبيائه كما قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِ‍ُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ٣٠﴾ [التوبة: 03].

وإذا كان اليهود ومن لفَّ لفَّهم يزعمون أن لهم حقاً دينياً في أرض فلسطين استناداً إلى تحدُّرهم من ابراهيم عليه السلام، فقد أسقط القرآن الكريم دعواهم وقطع صلتهم المزعومة بإبراهيم عليه السلام بقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ٦٧﴾ [آل عمران: 76].

﴿… هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ ٧٨﴾ [الحج: 87].

اتفاقية “أوسلو” وحق العودة:

لقد كان حق العودة وقضية اللاجئين محطَّ بحث وسِجَال في العديد من المؤتمرات والدراسات والتصريحات هنا وهناك، وبتسليط الضوء على مؤتمر أوسلو الذي تمخض عن توقيع اتفاقية “سلام” بين الكيان الصهيوني ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993، نجد أن فيها ميلاً مشبوهاً للتملُّص من قضية اللاجئين وحق العودة من خلال تجميد البحث فيها، أو تأجيلها إلى ما يسمى بمفاوضات الحل النهائي، وذلك في محاولة لنزع الأهمية عنها وتهميشها وتصفيتها من خلال عوامل الزمن وسياسة الأمر الواقع، فقد نصت الاتفاقية على ما يلي: أنه بعد ثلاث سنين من توقيع الاتفاقية تبدأ “مفاوضات الوضع الدائم” يتم خلالها مناقشة القضايا الجوهرية التالية:

1.القدس، ومن يتحكم بالقدس الشرقية والغربية والأماكن المقدسة وساكنيها.

2.اللاجئون، حق العودة وحق التعويض.

3.المستوطنات في الضفة الغربية والقطاع.

ولا شك أن تأجيل البحث في حق العودة ما هو إلا مسألة لعب على  الوقت لا أكثر، وخصوصاً أن تصريحات مسؤولي سلطة أوسلو توحي بتخليهم عن قضية اللاجئين وارتفاع وتيرة التلويح بالتعويض المادي، مبررين بأن ذلك ينسجم مع القرارات الدولية ذات الشأن، علماً أن المتتبع لتنفيذ هذه الاتفاقية المشبوهة وكيفية تعامل الصهاينة مع التزاماتهم المفروضة عليهم، يعلم علم اليقين أنها اتفاقية مسمومة ومذلة بحق التاريخ المشرف لأبناء شعب قدم  الكثير والكثير من التضحيات والدماء، كما أنها تنسف العديد من الثوابت المهمة في القضية الفلسطينية، وتشكل ضربة قاصمة لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم وديارهم التي هجروا منها بعد نكبة عام 1948.

حق العودة حق مقدس :

 قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ٣٩ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ٤٠﴾ [الحج: 93-04].

لقد صدرت العديد من الفتاوى عن أهل العلم الشرعي حول القضية الفلسطينية، والتي دعت جميعها المسلمين إلى الجهاد بمختلف الوسائل الممكنة لاسترجاع أرض فلسطين ومقدساتها وكرامة أهلها، مؤكدة أن عودة اللاجئ الفلسطيني أمر محسوم، وليس موضع نقاش وتفاوض.

كما دعت هذه الفتاوى إلى توعية المسلمين قاطبة حول وجوب التمييز بين “معاهدات السلام” التي توقِّعها بعض الأطراف مع الكيان الصهيوني في عصرنا، وتلك المعاهدات التي عَقَدَها الرسول عليه الصلاة والسلام مع اليهود، كتلك التي وقَّعها على سبيل المثال معهم بعد هجرته إلى المدينة.

فالمعاهدات التي أبرمها النبي عليه الصلاة والسلام مع القبائل اليهودية في المدينة إنما كانت من موقع الغلبة والقوة والتمكين للمسلمين، ولم يكن فيها أي انتقاص لحق من حقوق الله، أو أي تنازل عن شيء من حدود الله، بخلاف تلك المعاهدات الموقعة مع العدو الصهيوني اليوم، والتي شكلت تفريطاً صارخاً بالحقوق التاريخية والدينية الثابتة للمسلمين في فلسطين، فقد أجمع العلماء أن معاهدات الصلح الدائم مع اليهود باطلة، وشروطها باطلة، وهي غير ملزمة للمسلم، بل عليه بذل قصارى جهده للعمل على إسقاطها. ومن مظاهر البطلان مايلي(1):

1.”بطلان وضع الحرب إلى الأبد بين المسلمين واليهود؛ فالمُعاهَدَةُ الدائِمَةُ عَلى السلمِ، وعَدَمِ الحَرْبِ فهذا لاَ يَجوزُ إطلاقًا.

2.إزالة أسباب العداوة والبغضاء بين المسلمين واليهود، وإزالة كل نصوص التشريع التي تبقي هذه العداوة.

3.إقرار تلك المعاهدات لليهود على ما أخـذوه من أرض الإسلام عنوةً وغـدراً.

4.إبرام المعاهدات عن غير مشورة من المسلمين”.

وقد أصـدرت كذلك رابطـة عـلمـاء فلسـطـين بتـاريـخ 25/1/2007م القول الفصل في موضوع المعاهدات وحق العودة، من خلال فتوى مفادها تحريم التنازل عن حق عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه فلسطين. وقد أبرزت الفتوى نقاطاً جوهرية بأسباب التحريم:

1.إن المتنازل عن حق العودة يلغي وقف أمير المؤمنين لأرض الشام على ذراري المسلمين.

2.إن المتنازل عن حق العودة عاملٌ ومُظاهِر على إخراج المسلمين من ديارهم، وخروج فلسطين من ملكية الوقف الإسلامي إلى غيره، ومُقر بحق ملكية اليهود لها.

3.إنه ظالم ومانع لمساجد الله – وعلى رأسها الأقصى قبلة المسلمين الأولى – أن يذكر فيها اسمه وساعٍ في خرابها.

﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ ١١٤﴾ [البقرة: 411].

4.إنه متخذ اليهود أولياء.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ  بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ  وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ  إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ٥١﴾ [المائدة: 15]

5.إنه مؤذٍ وخائن لله ولرسوله وللمؤمنين(2).

فقد آن لنا أن ننفض أيدينا من هذا الاتفاق المشؤوم ومثيلاته مع العدو الصهيوني، وأن ندرك أنه لا يمكن لنا تحرير فلسطين من خلال سياقات التاريخ والوطنية والقومية التي لم تؤتِ ثماراً نافعة، وتاريخ المقاومة يشهد أن المقدس الديني هو الأنجع في التحرير، بدلاً من المقدس الوطني والتاريخي الراهن الذي ارتد عنه أصحابه ذاتهم من سلطة أوسلو بدعوى المصالح والواقعية السياسية، وهو أمرٌ أضاع الحقوق وشتت الشمل لصالح الكيان الصهيوني في عمر القضية الفلسطينية.

شاهد أيضاً

مفهوم العبودية في سورة الإسراء

بقلم الأستاذ مدثر سندس تُعتبر سورة الإسراء من السور القرآنية ذات الطابع المكيِّ، والتي حوت …

المنهج الأخلاقي في سورة الإسراء

بقلم الأستاذ مدثر سندس تُعتبر الأخلاق الركيزة الأساسية للبناء العَقَدي للشخصية المسلمة عموماً، وللشخصية الجهادية …

مستقبل فلسطين بين نهج المقاومة ونهج المساومة قراءةٌ في فكر الدكتور رمضان عبد الله شلَّح

بقلم الأستاذ مدثر سندسعند الخوض في غمار فكر رجلٍ بقامة أمَّةٍ، فلا شكَّ أنَّنا سننهل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *