الإفساد اليهودي الثاني في الزمان والمكان من وحي مصطلحات القرآن الكريم (3)

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة

لا أدقّ ولا أوضح من المفردات التي استخدمها الباري جل جلاله في كتابه المهيمن، ولا أدلّ على المعاني المُرادة منها كما هي حال المعاني الجليّة الواضحة من فعل هذه المفردات، وقضية الصراع بين المسلمين واليهود خير مثالٍ حيٍّ على ذلك، انظر إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ …﴾ [الإسراء: 6]، خطابٌ يضع اليدَ على المقصود ذكرهم على أنهم المفسدون وهم اليهود، وعلى من شاء الله بحكمته لهم أن يقضوا على فسادهم وإفسادهم وهم المسلمون بشرط اتباع النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم. ولا يتضح لنا ذلك إلا إذا أدركنا العلاقة بين الإفسادَين، فالعلاقة بينهما وطيدة لا تنفصم عُراها، نلاحظ ذلك من خلال عدة قواسم مشتركة بينهما، وهي أن القوم الذين يقومون بالإفساد هم اليهود، وهذا واضحٌ في الخطاب الإلهي لهم ولمن أراد الله لهم أن يقضوا على إفسادهم، وانظر إلى الخطاب الإلهي ودقّق في تدبّر الفاعل لكلا الإفسادَين، فستجد عجباً، بنو إسرائيل هم المفسدون _ في كلا الإفسادَين _ وعباد الله أولي البأس الشديد هم القاضونَ بأمر الله على الإفسادَين، إذ لم يذكر فاعلاً آخر ولا صفةً إضافيّةً للفاعل الثاني فيما لو افترضنا فاعلاً ثانياً.

﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا٤ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا٥ ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا٦ إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا٧ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا٨﴾ [الإسراء :4-5-6-7-8]، مفتاح الوصول إلى هوية من قام بالقضاء على إفساد اليهود تجده في الآية السابعة من سورة الإسراء، المذكورة سابقاً، عند قوله تعالى : ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُ‍ُٔواْ وُجُوهَكُمۡ…﴾[الإسراء :7]، سأتساءل عن هؤلاء الذين سيسوؤوا وجوه المفسدين، من هم؟ وعن الفاعل المستتر في هذا المضارع _ ليسوؤوا _ من هو؟، نجد الفاعل في ثنايا قوله تعالى:  ﴿لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٍٖ …٥﴾ [الإسراء: 5]، ومن هنا يتضح لنا الارتباط الثاني بين الإفسادَين وهو القوم المبعوثون للقضاء على الإفسادَين وهمُ المسلمون، ولا علم ثابتٌ لدينا أن نبوخذ نصر، أو الوثنيين، أو البابليين ونحوهم قد عناهم الله تعالى بقوله:

 ( عبادًا لنا )، إنما هي أقوالٌ “إسرائيليّة” المنشأ، اتخذها بعض المفسرين رأياً في بطون الكتب، أتمَّ الناس رأيهم وتناقلوهُ مقدّساً، ثمّ إنّ قوماً موسومون بالقرآن الكريم بصفة عظيمة (أُولي بأسٍ شديد)، ألا يُحرّكُ هذا الوصفُ مشاعرَ الصحابة الكرام؟ ألا يدفعهم للسؤال عنهم؟ أوليسَ إن كانت هوية القوم أولي البأس الشديد بيّنةً لتلفّظ بشيءٍ عنها رسول الله الأمين صلى الله عليه وسلم؟، إنهم الصحابةُ الكرام ومن تبعهم من بعدهم، نعم، لا غيرهم، والله تعالى أعلى وأعلم، فالمفسدون قوم معينون، والقاضون على الإفساد قوم معينون أيضاً، ومكان الإفسادَين مشارٌ إليه في بداية سورة الإسراء ﴿ مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ١﴾  [الإسراء: 1]، فالإفساد الأول شاء الله أن يكون فيما حول البيت الحرام، والإفساد الثاني شاء الله له أن يكون فيما حول المسجد الأقصى.

ونتيجةُ ذلك: ليس من الممكن بحال أن يستقل بحث الإفساد الأول عن الثاني، لأنهما لا يفترقان، كما تصاحبُ الروح الجسد، وكما صوّرَ ذلك القرآن الكريم، فلك أن تلاحظ في ذكر موسى وقومه بعد الكلام مباشرةً عن الإسراء بمحمد صلى الله عليه وسلم إشارة إلى العبرة في قصة قوم موسى للذين جاءتهم النبوة الأخيرة والرسالة الخاتمة بالرسول الخاتم، كي لا يفعلوا كما فعل اليهود، فيبَدّلوا نعمة الله كفرا، فيستحقوا العقاب، ولكن الأمة الإسلامية اليوم خالفت هذا التوجيه الإلهي، فسلبها الباري بإرادته الأرض المقدسة، وأضحى اليهود يعيثون فيها فساداً، وهنا ندرك أهمية التحذير الإلهي، ونستهدي إلى طريق العودة، لنخرج مما نحن فيه الآن.

أما عن فساد القوم، فقد أضحى جليّاً أن الباري سبحانه وتعالى لا يظلم أحداً، يخبرنا النص القرآني: أن الفساد سيكون من بني إسرائيل حسب ما وقع في علمه الإلهي الأزلي من مآلهم، لا لأنه قضاء قهري عليهم، وهذا ما تدل عليه كلمة (إلى) في قوله تعالى: ﴿َقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ …٤﴾ [الإسراء: 4] ولم يقل (على) أو غير ذلك من الحروف والكلمات، إذ إن (على) تدل على أنه قضاء إجباري.

خاتمة القول: لقد أقحم بنو إسرائيل الروايات تلو الروايات على تراثنا وإرثنا التاريخي، والإسلامي، وهذا ما دفع الكثير من المؤرّخين والشرّاح بالتأثّر بروايات القوم، فنشأت فكرة الفصل بين الإفسادَين، وما يترتب عليهما، وحقهما الوصل والاتصال كما مرّ معنا، والله أعلى وأعلم.

شاهد أيضاً

نوحٌ وموسىَ ومُحمَّدٌ ، مِن وَحيِ المُصطَلَحاَتِ القُرآنيَّة في سُورَةِ الإِسرَاء

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة تأتي البدايات في سورة الإسراء –بني إسرائيل– على نحوٍ يُوافقُ …

بنو إسرائيل والنِّعم الإلهيَّة في مطلع سورة الإسراء

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارةيُعدُّ ذكرُ نبيِّ الله نوح عليه السلام في مطلع سورة بني …

الهيكلُ المزعوم رواياتٌ متعدِّدةٌ ومجهودٌ متواصلٌ

بقلم الأستاذ محمد أبو جبارة يعتقدُ اليهودُ أنَّ المسجدَ الأقصى المُقامُ على ما يُسمُّونه (جبل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *