منهاج النبوة آخر الزمان

بقلم الأستاذ سليمان أبو عيشة

إن منهاج التربية عند النبي صلى الله عليه وسلم كان ضمن منهج رباني وآيات محكمة، ودورنا في هذا الزمن أن نأخذ منهجنا من القرآن الكريم كما أخذْنا منهاجنا ببناء الحاكمية، وذلك بتسليط مزيد من الضوء على منهاج النبوة، فالنبوة كما هو معلوم نوعان:

نبوة علم ومنهج، ونبوة إخبار عن الغيب

أولاً: نبوة العلم والمنهج:

إنّ العلم من الله عز وجل وحده لا شريك له في ذلك، وهو الذي علَّم آدم الأسماء كلها، حتى تعدى هذا العلم إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والعلم هو وسيلة المعرفة.

فإذا عرف الإنسان علاقته بربه تربّى، وإذا عرف علاقته بمجتمعه تخلّى، وإذا عرف علاقته بأولي الأمر تحلّى.

 ففي التربية يكون اكتساب الأخلاق الحميدة، وفي التخلية يكون الابتعاد عن الأخلاق الذميمة، وفي التحلية الالتزام والسمع والطاعة.

أما المنهج فهو طريقة ترتيب هذا العلم كما نزل من عند الله عز وجل، فلا يُقدَّم ما يجب أن يُؤخر، ولا العكس وكل شيء عنده بمقدار وأقدار.

والرابط بين العلم والمنهج هو التراتبية التي يبنى عليها المنهاج، وهو العمل بالمنهج.

وقد يظن الذين جانبوا الصواب أن منهاج النبوة هو تحكيم الشريعة، والعمل بالتشريع الإسلامي، وهذا طبعاً غير صحيح، فالحاكمية مناط اجتهاد كما ذكرنا سابقاً، إنما منهاج النبوة هو طريقة بناء الحاكمية من أجل تطبيق المنهج وفق العلم الرباني.

فتسمع من أحدهم: أن الحدود عُطِّلت، أو أنها لا تناسب مجتمعنا.. والحقيقة أن الحدود لا تبنى إلا في مجتمع يقبل بها فتكون ((الحدود من الحدود )).

وآخر يقول: إن الحدود نافذة، والله يطبقها بوجود حاكمية أم لا، وهذا أيضاً خاطئ.

والأصح أن تطبيق الحدود هي آخر مهمات منهاج النبوة، ودليل نجاحها قائم على مهمة المنهاج في الإصلاح الفردي، والمجتمعي، وإلا فما هي أهمية تكليف آدم وبنيه بالخلافة، والله يستحيل عليه العبث؟!

ولئن كان علم الله الأزلي لبني آدم في القرآن كان منهجه في ترتيبه نزولاً، ثم وفق ترتيبه مصحفياً فالمنهج الذي يُبنى عليه المنهاج في أول النبوة كان حسب نزوله، أما منهاج آخر النبوة يكون على أساس الترتيب المصحفي

 والوحي كما كان في أولها هو في آخرها وذلك العلم، إلا أن المنهج هو الاختلاف في ترتيبه التصاعدي لبناء المنهاج تربية وشريعة وحاكمية، أو كما يقال: دين وتشريع وقانون.

ثانياً : نبوة الاخبار عن الغيب:

والإخبار إما أن يكون من خلال نبي على سبيل اليقين، أو من خلال وليّ على سبيل الظن والتبشير بما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم.

 فالنبي  صلى الله عليه وسلم أخبر كثيراً عن المستقبل وعن الغيب، منه ما تحقق في زمانه، ومنه ما تحقق في عهد الصحابة والتابعين، وكثيراً منه لم يتحقق إلى الآن.

ومناهج النبوة من لدن آدم عليه السلام تسعى لأخذ التأييد إلى جانب الرضا، وهو إذنُ الله أن تحكم الأرض بميزان العدل منهاج النبوة. فكلما امتلأت الأرض جوراً وظلماً بعث الله من يحيي منهاج النبوة الذي أذن له أن يحكم، فتكون نبوة ثم خلفاء نبوة يجتهدون، ولا يألون حتى يأتي ملوكٌ ينظرون إلى الحكم على أنه امتيازات ومكاسب، فتغيبُ عنهم أخبار نبيهم عن الغيب، ويتخبطون بين الحاضر والمستقبل، ويستمر هذا الحال حتى يأتي رجال يطلبون الحكم باسم الإصلاح، ولا ينهجون منهاج النبوة في إعادة الخلافة، فيثورون ويقيمون الجبرية بشعارات لجذب الناس لا لتطبيقها حتى يأذن الله، فيعود المنهاج النبوي على يد نبي أو ولي، وهكذا حتى تقوم الساعة.

المنهج والمنهاج النبوي في آخر الزمان:

لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، أنها ستكون خلافة على منهاج النبوة كما بدأت، ونحن نستبشر أن يكون هذا الزمان زماننا، وحُقَّ لنا أن نستبشر، فإن لم يكن فأجرنا على الله أن حاولْنا إعادة الخيرية للزمان.

ونحن نعلم أنّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم قد توفاه الله عز وجل ولن يبعث الله عز وجل نبياً بعده فهو خاتم الأنبياء، فكيف نحيي المنهج والمنهاج من غير نبي يرشدنا؟ ما العمل؟؟

إن الله عز وجل حفظ لنا الوحي النبوي في المصحف الشريف، وهذا المصحف الكريم كما هو ثابت بين أيدينا هو القرآن الذي يريدنا الله عز وجل أن نبني الأمة استناداً إليه، فمن قال بنقصه نقول: ما نقص منه فهو ما أراد الله أن ينسخه، وإرادته واضحة في ترك العلم القرآني بين أيدينا وفق المنهاج المصحفي، ويثبت المنهج بثبات العلم من القرآن.

ويكون المنهاج كما تركه الله عز وجل لنا أيضاً في الترتيب المصحفي الوقفي، وهو مخالف لنزول القرآن أول الزمان، لكنه موافق لبناء المنهاج لنبوة آخر الزمان، فحُلَّت مسألة المنهاج بثبات الترتيب المصحفي الوقفي.

بقي طريقة فهم القرآن منهجاً، وهذا هو الوحي الذي لم ينقطع. كما سئل علي كرم الله وجهه: ((هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ مِنَ الْوَحْيِ غَيْرَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: “لا، والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمٌ يُعْطِيهِ اللَّهُ تعالى رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ)) [البخاري].

والفهم أولى مراحل الإصلاح التي تسبقها مرحلة جَمْع القرآن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآنَ فقد استدرج النُّبوَّةَ بين جنبَيْه غيرَ أنَّه لا يُوحَى إليه لا ينبغي لصاحبِ القرآنِ أن يجِدَ مع من وجَد ولا يجهلَ مع من جهِل وفي جوفهِ كلامُ اللهِ)) [صحيح الترغيب والترهيب]

وهكذا يكون بناء منهاج النبوة كما بناها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، بصبر وحكمة وأناة، وبالمبشِّرات التي بشَّر بها لآخر الزمان، فإنْ صدق فالصدق صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم  وإن أُجِّلت فذلك أمر الله يؤيد به من يشاء، والعاقبة للتقوى.

شاهد أيضاً

العبودية والإمامة

بقلم الأستاذ سليمان أبو عيشة وصلْنا في الحديث السابق إلى تساؤلٍ عن أولئك الذين يصطفيهم …

الفجر الصادق

بقلم الأستاذ سليمان أبو عيشة اقتضت حكمة الله عز وجل أن يسبق الفجر الذي يبدّد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *