المقاومة شرفٌ ومسؤولية

بقلم الأستاذ خالد غرير

يبحث الإنسان في مختلف الحضارات عن مهمّةٍ ودورٍ في هذه الحياة، يمارسه ويُعرف من خلاله؛ ليشكّل ثقلاً ما في وسطه الاجتماعي. وتتناسخ عقول أبناء المجتمع الواحد الكثير من الأفكار المشتركة، فتصبح بعض الأعمال والمهام سمةً لمجتمع معيّن أو لسكّان منطقةٍ ما، ففي البرازيل مثلاً: تجد أنّ زراعة البن ولعب كرة القدم هم خياران مفضّلان عند أبناء ذاك البلد، أمّا في جزر الكناري، فالعمل في القطاع السياحي هو المحبب لسكّانها وهكذا…وبالنظر إلى الواقع الفلسطيني، نجد أنّ إرادة الله عز وجل في أنْ جعلك فلسطينيّاً هي أمرٌ يستحق الوقوف عنده، فلماذا لم يجعلك من سكّان البلد الذي تقيم فيه؟ ولماذا لم يحملك جنسيّةً مختلفة؟ ولعلّ الإجابة بسيطةٌ على هذا السؤال، وهي أنّ مهمّتك وبكل بساطة مرتبطةٌ بفلسطين.

 وذلك يدلّك على ضرورة دخولك إلى فلسطين، ولذلك يتمسّك الفلسطينيّون أصحاب الفكر الإسلامي بالجهاد، دَرْب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الصحابة، وذروة سنام الإسلام، وثالث أحبّ الأعمال إلى الله عز وجل.

إن التمسك بالهوية الفلسطينية ليس تعصباً لقومية زائفة، بل هو تمسُّك بشرف المهمة والدور الذي يريده الله من حملة هذه الهوية، كما إنّ الهوية الفلسطينيّة لا تعني أنّ مشروع التحرير يجب أن يبقى مناطاً بأعناق الفلسطينيّين وحدهم، بل إن واجب التحرير منوط بجميع أبناء الأمّة الإسلاميّة جمعاء، من خلال مناصرة ومؤازرة الفلسطيني؛ لأنّه يرابط على أهم الثغور في عصرنا الحالي، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثٍ أخرجه الطبراني: “لا تزال طائفةٌ من أمّتي على الدِّين ظاهرين، لعدوّهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك”، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: “ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”.

ألا يقاتل الفلسطينيّون ببيت المقدس حالياً ضد عدو هذه الأمّة؟ ألا يدأب فلسطينيّو الشتات في أكناف بيت المقدس على الإعداد والتجهيز لمعركة التحرير؟

إنّ اختيار الله عز وجل للفلسطينيّين تحديداً، ومن بين الشعوب العربية والإسلاميّة للتصدّي لعدو الأمّة الذي ضُربت به أمثال السوء في القرآن مراراً؛ ليس مصادفةً، ويعطي دلالةً قطعيّةً برأيي على أنّ الفلسطينيّين هم الندُّ الحقيقي لهؤلاء المعتدين المدعومين من قبل الإمبرياليّة العالميّة، إذ إنّ الله عز وجل لا يختار إلا على علمٍ وبحكمةٍ بالغةٍ. وستجد أصداء وقوف الرجال الفلسطينيّين في ميادين القتال تُردَّد في جميع أصقاع العالم، وعلى ألسنة من مختلف الأعراق والأديان والتوجّهات. ومبنيّةً على تحليل عميق للشخصيّة الفلسطينيّة.

فمنذ بداية الصراع الإسلامي اليهودي، برز دور الفلسطينيّين كجزءٍ من الأمّة الإسلاميّة؛ وكرأس حربةٍ في مواجهة أشدّ أعداء هذه الأمّةٍ عداوةً لها، ﴿۞لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ…٨٢﴾ [المائدة: 82]. فالفلسطينيّون هم أكثر من قاتل اليهود في العصر الحديث؛ وهم أكثر من واجه جيشاً متطوّراً بأسلحةٍ تقليديّةٍ ولم يستسلم لأكثر من 70 سنة، وهم الشعب الذي صمد رغم تآمر الغرب وخذلان المسلمين له إلا من رحم الله. كما أنّ الفلسطينّيين هم إحدى أوثق الحلقات التي تربط بين طوائف الأمة الإسلامية، عبر البوصلة الواضحة والتي هي الأرض المقدسة، التي تُجمع الأمّة على قدسيّتها وضرورة تحريرها. فلا أدّعي أنّ الفلسطينيّين شعب الله المختار كما ادّعت اليهود، ولكنّهم نواة مشروع التحرير، وأرضهم المقدّسة هي الأرض الوحيدة التي صلّى عليها النبيّون أجمعون.

لذلك من أعلى واجبات الفلسطيني الانخراط ضمن قاعدةٍ جهاديّةٍ متينةٍ لهذه الأمّة، وذلك من خلال امتثال الآية الكريمة: ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا٨٤﴾ [النساء: 84].

فانتظام الفلسطيني ضمن الصفوف الجهاديّة يجب أن يكون المهمّة الأسمى والشغل الشاغل لغالبيّة الشباب الفلسطيني والله أعلم.

كما أنّ المجاهدين الذين يريدون الجهاد في فلسطين من غير الفلسطينيّين؛ سيجدون أنّ الالتفاف حول حملة راية الجهاد عملٌ أسهل وأوضح من الشروع في تأسيس مشروعٍ جهاديٍّ جديدٍ، أو في التنقيب عن الطرائق الأكثر فاعليّةً في قتال العدو. فالمقاومة الفلسطينيّة في العَقْد الأخير أصبحت مدرسةً قتاليّةً لا يُستهان بها، وفرضت فصائل المقاومة نفسها في ميدان القتال أمام عدوّ الأمّة، وغيّرت معادلات الصراع.

ها هم الفلسطينيّون قد قلبوا مفاهيم القتال الكلاسيكيّة، وما هُزموا. ولم ييأسوا عندما قطّع العدو أوصال مدنهم وقراهم بالحواجز العسكريّة؛ بل حوّلوها إلى أهدافٍ ثابتةٍ، وأجبروا العدو على شق طرق التفافيّة لتجنّب التداخل والاحتكاك بالفلسطينيّين، فحوّل الفلسطينيّون تلك الطرق الالتفافية إلى ممرّات موتٍ محتمَلٍ بالنسبة للمستوطنين الصهاينة. وعمد العدو إلى حصارهم في بقاع من الأرض تكون الأفضليّة الجغرافيّة له، كما هو الحال في قطاع غزّة، فلجأ الفلسطينيّون إلى الاستفادة من الرياح الغربيّة التي تهبُّ من جهة البحر، لتحمل معها بالوناتٍ حارقةً كبّدت العدو خسائر فادحةً على مدار أشهر. وحفروا أنفاقاً تمكّنوا من استخدامها في القتال بفاعليّة.

فالإرادة الفلسطينيّة في اختيار نهج المقاومة والتحرير شكّلت على مدار سبعة عقودٍ من الزمن صِمَام أمانٍ لا يستهان به أمام المساعي العسكريّة الصهيونيّة، ولو انتهى العدو الصهيوني من قتال الفلسطينيّين لتوجّه لقتال غيرهم من العرب والمسلمين، ولا عجب في ذلك؛ إذ إنّ الطموحات التوسعيّة لدولة الاحتلال ليست سرّاً، ومن هذا الفهم لا يكفي أن ننتقد مَن تخاذل من العرب في نصرة المرابطين، ولكن يجب أن يلتحق من عرف الحقّ بركبهم، فالقعود عن نصرتهم هو شكلٌ آخرٌ من أشكال الخذلان، والولاء بالقلب فقط لا قيمة له على الأرض، ولا تُحرَّر الأراضي المغتصبة بالدعاء دون أن يصحب الدعاءَ عملٌ.

أخي الفلسطينيّ خاصّةً والمسلم عامّةً؛ لا تختلق الأعذار في التخلّف عن رَكْب الجهاد في سبيل الله وهي كثيرة، من ظروفٍ معيشيّةٍ صعبةٍ، أو قلّة ثقةٍ في تنظيمٍ ما أو قائدٍ ما، فالأمر أكبر من ذلك، وتذكيري لك بأنّ الله سبحانه وتعالى قد اختار قوماً لا يزالون على مهمّتهم إلى هذه اللحظة هو تذكيرٌ لك بأشرف مهمة وأعظم مسؤولية لك في هذه الحياة ، وعلى كلّ مسلمٍ يحدّث نفسه بالجهاد الانضمام إليهم، فالحياة قصيرة؛ والوقت عدو. والارتقاء بالوعي والتمسّك بالدور الجهادي مطلوبٌ من كلّ مسلمٍ.

شاهد أيضاً

معركة البُنيان المرصوص

بقلم الأستاذ خالد غرير تطلُّ علينا في شهر تموز ذكرى معركة البنيان المرصوص التي أطلقتها …

التطبيع

بقلم الأستاذ خالد غرير احتلَّ الصهاينة أرضنا، وارتكبوا جرائم لا تحصى بحقِّ شعبنا ومقدَّساته، وصنَّف …

خطَّة الضَّمِّ الإسرائيليَّة

بقلم الأستاذ خالد غريرفي محاضرةٍ ألقاها الأمين العام الراحل الدكتور رمضان شلَّح ‘، في دمشق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *