متى يعمل الشعب بالمجان ومتى ينهب كل شيء

بقلم الأستاذ جهاد الرفاعي

عندما نتأمل حال العالم الإسلامي اليوم مقارنة بغيره من دول الغرب الأوروبية والأمريكية، أو دول الشرق التي نهضت مؤخراً ككوريا الجنوبية، وسنغافورا، أو الدول التي دُمِّرت بشكل كامل خلال الحرب العالمية الثانية كألمانيا واليابان، فإنه لا يخفى على أحد، صغير أم كبير، متعلم أم غير متعلم أننا في حالة كساد وركود غير طبيعي، جعلنا نُصنَّف من ضمن الدول المتخلفة، وبعيدين كل البعد عن النهضة والتطور.

إن ذِكْرنا لهذه الحقيقة ليس لتقليل شأن المسلمين العرب وتمجيد الغير، بل الهدف منه أن نعرف: أين نحن اليوم من دورة الحضارة؟

فالفيلسوف العربي مالك بن نبي في كتابه “شروط النهضة” أورد العديد من الأسئلة التي تضعنا إجاباتها على سكة الريادة الحضارية بين الشعوب والأمم، والتي هي بمجملها تعني أن صناعة النهضة تبدأ بالتقدم نحو الأمام، ولا يمكننا أن نتقدم إلى مكان إلا إذا حددنا موقعنا الحالي الذي سننطلق منه، أي أن نعرف مكاننا في الدورة التاريخية التي قسَّمها علماء الاجتماع والتاريخ كأمثال ابن خلدون إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى مرحلة الإيمان:

وتسيطر على هذه المرحلة غالباً الفكرة الدينية أو الفكرة الأخلاقية، وبدورها تنقل المجتمع من الجهل واتباع الغرائز إلى الإيمان بفكرة ما، حيث يتم تنظيم الغريزة في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية.

كالنهضة الأوروبية التي حدثَتْ بعد العصور الوسطى في القرن الرابع عشر الميلادي، التي نقلت الشعب الأوروبي من انحطاطه وجهله إلى الإيمان بفكرة النهضة، وتجديد مفاهيم الدين المسيحي، فأصبحت العقيدة تعني حرية الضمير أو الوجدان، وأصبح الدِّين ملْكاً للمؤمن خاصاً به، أي أنه أمر فردي يعني كلَّ فرد دون سواه، الأمر الذي أدى إلى تهميش مفهوم الجماعة أو الطائفة التي تعتنق ديناً معيناً، وتسير على مبدأ الجماعة.

وكذلك نهضة اليابان التي خرجت مُدمَّرة من بعد الحرب، إلا أنها شحذَتْ شعبها بأفكار حب العمل، والعمل الجماعي والأخلاق والقيم.

ونذكر الروح العالية للشعب الألماني المفتقِد للشباب بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث كانت النساء هي من تقوم بأعمال الرجال، من إزالة لمخلفات الحرب والركام.

ونتطرق أيضاً لنهضة المسلمين التي بدأت بنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي نقل شعب الجزيرة العربية من الجاهلية واتباع الشهوات والغرائز إلى الإيمان القوي بالإسلام.

 فما يميز هذه المرحلة إيمانُ الشعب القوي بالفكرة والروح العالية التي تفعل العجب.

فها هي سمية أم عمار رضي الله عنها هي وزوجها ياسر بن عامر، وابنها عمار بن ياسر، وأخوه عبد الله، وهؤلاء هم آل ياسر رضي الله عنهم، غضبَ عليهم مواليهم بنو مخزومٍ غضبًا شديدًا، وصاروا يصبُّون عليهم شتَّى أصناف العذاب، يريدون منهم أن يرجعوا عن الإسلام، قال ابن إسحاق: وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميَتْ الظهيرة يعذِّبونهم برمضاء مكة، أي على الرمل الحارِّ من شدة حرارة الشمس، فيمرُّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مواسياً وقلبه يعتصرُ ألماً على ما نزل بهم، فيقول وفي قوله تثبيتٌ لهم: “صبرًا آل ياسر فإنَّ موعدكم الجنَّة”. وأمَّا أمُّه سمية أم عمار، فقتلوها وهي تأبى أن ترجع عن الإسلام، وذلك رغم كبر سنِّها رضي الله عنها إلا أنَّها ثبتَتْ ثباتًا عجيبًا يعجز عنه الرجال الأصحاء أمام أبي جهل الذي كان يتولَّى تعذيبها، وهي ترفضُ أن ترجع عن الإسلام حتى لو قيدَ أنملة، ثمَّ بعدَ أن أغلظت له القول طعنها أبو جهل بحربةٍ في يديه، فماتت سمية أم عمار رضي الله عنها أمام زوجها وولدها، ولم تتنازل أبدًا عن شيء من الدِّين بثباتٍ أسطوريٍّ ليس له مثيل من امرأة تتحدَّى كبار كفار قريش، قال جابر رضي الله عنه: “يقتلوها فتأبى إلا الإسلام”، ورغمَ أنَّه لا إثمَ عليها لو أنَّها أظهرَتْ للمشركين أنَّها رجعَتْ عن دينها لكنَّها أبَتْ إلا الثبات حتى الموت رضي الله عنها(1).

أما الصحابي الجليل بلال بن رباح رضي الله عنه دخل ذات يوم إلى الكعبة المشرفة، فالتفتَ فلم يرَ أحداً، فإذا به يبصق على الأصنام الموجودة بها ويقول: “خاب وخسر مَن عبدكنَّ”، لكنَّ نفراً من قريش كانوا  موجودين وراء الكعبة، وسمعوا كل شيء، ووصل الخبر لأمية بن خلف، فغضب غضباً شديداً وقال: “إن شمس هذا اليوم لن تغرب إلا ويغرب معها إسلامُ هذا العبد الآبقِ” لكن شمس ذلك اليوم غربت ولم يغرب معها إسلام بلال رضي الله عنه، رغم قساوة ما لقيه من تعذيب، والروح والإيمان بفكرة الإسلام جعلته يتحمل ويردد أحَدٌ .. أحَدٌ(2).

ما الذي دفع صلاح شاكر وأنور سكر لتنفيذ أول عملية استشهادية في فلسطين – عملية بيت ليد البطولية – لولا إيمانهما المطلق بمكانة الشهداء عند ربهم، وأن الشهادة هي الطريق الوحيد لطرد اليهود الغاصبين من أرض فلسطين.

إن الإيمان بفكرة والروح العالية تجعل الشعب يعمل عملاً مجانياً مضاعفاً وهو سعيد، فقط لتحقيق الهدف وإنجاح الفكرة، وتقديم المنفعة العامة على المنفعة الشخصية.

المرحلة الثانية مرحلة العقل:

وهي أطول مرحلة زمنياً، حيث يعلو فيها صوت العقل على كل شيء، هذا الصوت لا يملك السيطرة نفسها على الغريزة، فتبدأ بالتحرر تدريجياً، ويرى علماء الاجتماع بأن هذه المرحلة تتميز بالتوسع الفكري واتساع رقعة الدولة، كالنهضة الإسلامية بعد نهاية عهد الخلفاء الراشدين، والتي هي مرحلة الروح، وبعد وصول الأمويين للحكم الإسلامي بدأت مرحلة العقل، والتي امتدت غالباً إلى سقوط الدولة العثمانية، حيث كانت هذه الفترة فترة نهضة فكرية أدَّتْ إلى ريادة عالمية، اتسعت خلالها رقعة الدولة الإسلامية.

أما بالنسبة للنهضة الأوروبية، فقد بدأت مرحلة العقل خلال القرن الرابع عشر الميلادي، وقد تميزت هذه المرحلة بازدهار علمي، يمتد إلى يومنا هذا، واتساع رقعة البلاد باكتشاف أمريكا.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الغريزة:

وهنا تكشف الغريزة عن وجهها تماماً، وتصبح هي المسيطرة على الإنسان بنسبة 100%، وخلال هذه الفترة تصبح الفكرة الدينية والأخلاقية مجرد حبر على ورق، ليس لها أي أثر على سلوك المجتمع، وبذلك يصبح المجتمع مُنحلاً، الجميع يريد الحصول على مكاسب فردية، ولا يهتم لشأن حال العامة، الجميع يريد الوصول إلى المناصب، وبأية وسيلة وطريقة.

الجميعُ يريد المال بالسرقة، أو بالنهب، لا يَهُمّ، إنما يريد الفرد خلال هذه المرحلة إشباع شهواته بالحرام كانت أم بالحلال، فلا فرق لديه، وعندها تكون الأمة قد دخلت في حالة سبات عميق.

تصنيف الأمم :

تُصنَّف دول العالم الأول ضمن مرحلة العقل، فلديهم توسُّعٌ فكري واتساع جغرافي، أما الفكرة الدينية عندهم ضعيفة مقارنة بالبدايات، مع تحرُّرٍ تدريجي للغريزة التي تزداد شيئاً فشيئاً ما بين القرن والآخر، وها نحن نرى بأن الغريزة باتت متحررة جداً لدى دول العالم الأول، وفي المستقبل ستسيطر عليهم الغريزة بنسبة 100%، وعندها سينتقلون إلى مرحلة الغريزة والضعف والركود.

أما أمتنا اليوم  فلا تنتمي لا إلى مرحلة الروح، ولا إلى مرحلة العقل، وتصنيفها واضح للعيان، فنحن في مرحلة متخلفة عن دول العالم الأول، لذا فإن مشاكلنا ليست كمشاكلهم،  ولا يجوز لأحد أن يضع الحلول والمناهج، مُغْفلاً مكان أمته ومركزها، بل يجب عليه أن تنسجم أفكاره، وعواطفه، وأقواله، وخطواته مع ما تـقتضيه المرحلة التي فيها أمته، أما أن يستورد حلـولاً من الشرق أو الغرب، فإن فـي ذلك تضييعاً للجهد، ومضاعفة للداء، إذ كـل تـقليد فـي هذا المجال جهل وانـتحار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *